الإنسانية لم تأت بغير معلم منفصل عنها، وهذا المعلم نحن كمسلمين نسميه الدين، الدين الذي يخرجه من صفة الهلوع إذا مسه الشر، والمنوع متى أصابه الخير، ويخرجه من كونه ظلومًا جهولًا إلى تحريه للعدل ومحاربة الظلم، وسعيه لطلب العلم ليخرج من الجهل.

الدين الذي يجعله يخرج من كونه "أكثر شيء جدلا" إلى ترك الجدال ولو كان محقًا، وهكذا..

"وخلق الإنسان ضعيفا" حقيقة لن يستطيع العقل والعلم تجاوزها، ضعفٌ في أصل الخلقة المشاهدة، من نطفةٍ إلى مضغة لحم، حتى يكون جنينًا في بطن أمه، وهي أشد مراحل الضعف، إذ إن الجنين لا حيلة له بشيء، حتى يخرج من بطن أمه فيبدأ يستقل بعض الشيء ولكنه ما يزال مفتقرًا لغيره لبقاء حياته، وهو كذلك حين يبلغ الكبر يعود للاحتياج للآخرين كما بدأ "ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئًا"، وفي العلم أيضًا خلق الإنسان جاهلاً "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون" وهذه الحقيقة أيضًا، لا يستطيع تجاوزها "الإنسانيون" الذين يظنون أن الإنسانية تقتضي كل الإيجابيات منفصلة عن الدين والتعلم والاكتساب، وما في الآية نحتج به ويفهمه بديهة ذوو العقول، فالإنسان يُخلق ضعيفًا جاهلاً، وقد أتقن الخالق سبحانه صنعته، فجعل له قنوات التواصل والتعلم والتأقلم، "السمع والأبصار والأفئدة".

إذن وبكل وضوح وسهولة يدرك كل ذي عقل أن الإنسان لا يستطيع أن يكون مميزًا عن سائر المخلوقات ولا يقدر على مجاراة بني جنسه، إلا بمعلم خارجي، هذا المعلم يكتسب منه الصفات القلبية كالرحمة والشفقة والحب وغيرها، ويتعلم منه أيضًا الصفات البدنية كالعمل والقيام بمعيشته وإصلاح نفسه حتى في الأمور التي قد لا يتلفظ بها في مثل هذا المقام من الحاجيات الشخصية، فكل ذلك لا يقدر على فعله إلا بمعلم خارجي، ولذلك تجد الشعوب مختلفة في طباعها، فهناك شعوب عرفت بالرقة والسكينة والتآلف والوئام والحب، وشعوب أخرى عرفت بالغلظة والعبوس والجدية غير المقدور عليها عند شعوب أخرى، وحتى بين الحيوانات، فالحيوانات تتوارث طبائعها وتصبح صفات راسخة فيها، وهذا من تدبير الله وتعليمه لمخلوقاته بتميز كل أمة عن غيرها، وقد أوتي كل حيوان من الأدوات التي تتماشى مع الطبع الذي جعله الله فيه تتوارثه تلك الأمة، وفي التنزيل الحكيم "الرحمن خلق الإنسان" فذكر الرحمة قبل الخلق لبيان أن الصفة اللازمة للإنسان هي الرحمة إلا حين يعاكسها التعليم المناقض لأصلها، لكن الحفاظ على هذه الرحمة وتنميتها وإفشائها يحتاج إلى معلم خارجي، ونحن حين نجد التداخل بين الأمم أو بين الناس بغير ضوابط تحفظ لكل جنس طبائعه فإننا سنجد التغير والاختلاف حاصلًا لا محالة، فحيث يتعلم مثلاً ذاك الحيوان من طبائع الإنسان فهو إخراج له عن ما توارثه من أصله من القدَم، وسيكون الاختلال حاصلاً، ولذلك جعل الله الإنسان ميزانًا للمحافظة على طبائع سائر المخلوقات، فوجوده هو الأيقونة التي تسير عليها الحياة بما سخر الله له من مخلوقات، وفي ديننا أن نهاية الإنسان تعني نهاية الحياة على الدنيا، وهو ما يعطينا معنى صعوبة استمرارية الحياة بغير الإنسان.

المعلم الخارجي الذي نتحدث عنه هي الشرائع التي ينزلها الله ما بين الفترة والأخرى، وبها سار الإنسان في المسار المتفق مع طبيعة خلقه، وكل الشرائع أمرت بالرحمة وكل الرسل أمروا بالعدل، وكل الأنبياء أمروا بالاستمتاع بالحياة بجمالها، ونهوا عن الاعتداء، كل ذلك هو الإنسانية التي يتحدث عنها أصحابها اليوم، فالإنسانية لم تأت بغير معلم منفصل عنها، وهذا المعلم نحن كمسلمين نسميه الدين، الدين الذي يخرجه من صفة الهلوع إذا مسه الشر، والمنوع متى أصابه الخير، ويخرجه من كونه ظلومًا جهولًا إلى تحريه للعدل ومحاربة الظلم، وسعيه لطلب العلم ليخرج من الجهل.

الدين الذي يجعله يخرج من كونه "أكثر شيء جدلا" إلى ترك الجدال ولو كان محقًا، وهكذا.

فالآخرون لا يستطيعون أن يقولوا ولا يثبتوا أن الإنسان خلق عالمًا، بل خلق جاهلاً يتعلم الأخلاق والآداب والقيم والمبادئ ممن حوله، ولو أننا استأنسنا ذئبًا أو نمرًا أو قردًا لأصبح أليفًا في معظم حياته، ولا يرده إلى أصل خلقته من اعتداء وافتراس إلا افتقاره إليها، فالأديان هي من علمت الإنسانية كل صفة جميلة، ولكن كثيرًا من الناس وإن سميناهم مثقفين أو مطلعين إلا أنهم يحكمون على الأديان بأخطاء بعض من ينتسبون إليها.