ونحن على أعتاب نهاية العام 2020 الذي منحنا فرصة للتأمل في حياتنا وسلوكياتنا، وأعطانا فرصة لالتقاط الأنفاس وتقييم أمورنا وتحديد أولوياتنا بدقة، فالتأمل إحدى حسنات عام الإغلاق والقلق والترقب، حيث أن التأمل هو الذي يقودنا إلى الهدوء العقلي الذي يسمح لنا برؤية الأشياء الغائبة عنا، والاستغراق في كل ما نفعله يجعل عقولنا راضية وهادئة، فـالعقل دائماً جائع ويبحث عن الروح ليتوازن معها، ولكن هل فعلاً حققنا فائدة أو توازناً فعلياً هذا العام؟ المتتبع للسلوكيات الاجتماعية التي تطفو على السطح يلاحظ أن هناك سلوكيات حلت محلها سلوكيات أخرى، وكان جُل التفكير للغالبية وخاصة التي تظهر على "السوشيال ميديا" هي نزعة الاستهلاك بكل ما فيه، لم نكن فعلياً هادئين ومتأملين مثل لو أننا حدقنا في السماء، أو البحر، أو الصحراء، وتخيلناها تعبيراً رائعاً لرسالة السكنية والهدوء والراحة، في محاولة للذوبان داخل هذه الصورة، وأن يمتزج كل ما فيك مع المحيط حولك بحب، هل فعلاً كانت اختياراتنا تمثلنا أم أننا نتأثر بما حولنا من دون وعي، هل فعلاً عارضت التيار واخترت اختيارات مختلفة عن كل من حولك، تذكرت قصة عن جايمس لاكينغتون -وهو بائع كتب من القرن الثامن عشر- شاب أرسلته زوجته عشيّة "الكريسماس" بنصف كراون لشراء عشاء العيد وكان ذلك كلّ ما يملكانه من مال، لكنّه مرّ في طريقه بدكان كتب قديمة وعاد بكتاب يونغ "أفكار الليل" لا بالطعام، "أعتقد أنني تصرفت بحكمة" أعلن لزوجته التي تتضور جوعاً "لو اشتريت طعاماً لأكلناه غداً وتبخرت بهجتنا سريعاً، أما لو عشنا خمسين سنة أخرى، ستظل "أفكار الليل" وليمتنا الدائمة"، جايمس فضّل الكتب على الطعام وفرض ذوقه واختياره على زوجته لشغفه بالكتب، هل يمكن أن تكون جريئاً مثل جايمس وتختار خيارات مختلفة تماماً ولكنها مرضية لك؟ وهل تعلمت في العام 2020 أن تكون نفسك ولا تهتم لتعليقات الآخرين؟ إن البهجة التي نُحِسّ بها عندما نشعر أننا أحرار باختياراتنا تنشأ من ارتباط العقل بمستوى أعمق في الروح ومتصل بها، وهذا الترابط المنشود لا يمكن الحصول عليه لمجرد الرغبة أو التأمل فقط، بل هو حصيلة تعلّم سلوكيات وطرق للتفكير ووعي داخلي للذات، تكون محظوظاً إن توصلت إليه.