بعيداً عن الوقوع في فخاخ التعريفات والمصطلحات التي تكتنزها مفردة "مثقف"، لأنها -أي تلك الفخاخ- مخاتلة ومتشظية، ولا يمكن الوصول إلى مداءاتها ومآلاتها، لذا سأكتب مباشرة عن بروز فئة جديدة من "المثقفين" المتسلحين بأدوات التقنية والاتصال، والمحترفين بشبكات التواصل الإعلامي والاجتماعي، يُطلقون على أنفسهم عنوة "المثقفون الجدد".

هؤلاء المثقفون الجدد القادمون من فضاءات الإنترنت ومنابر الإعلام الجديد، والخارجون من عباءة "الثقافة الناعمة"، والمتمردون على كل أشكال وشبكات الإعلام التقليدي بقنواته وإذاعاته وصحفه، هؤلاء المثقفون الجدد الذين يصنعون خطاباً/مشهداً ثقافياً مغايراً بل وصادماً في كثير من الأحيان، بحاجة لبعض الترشيد والتوجيه. نعم، هم يُقدمون محتوى أكثر بساطة وانتشاراً من ذلك الخطاب الثقافي التقليدي الذي شكّل فكر ومزاج المجتمعات العربية لعقود طويلة، ولكن المحتوى الذي يُقدمه هؤلاء الشباب عادة يفتقر للدقة والموضوعية والنضج، المشهد الثقافي الآن مُتنازَع ومُتجاذَب من طرفين/خصمين هما: التيار الثقافي التقليدي والتيار الثقافي الجديد.

ويواجه هؤلاء المثقفون الجدد حملة تعريض وتشكيك بنيوية وثقافية يقودها عرّابو الثقافة والإعلام في الوطن العربي، خاصة في ظل تواضع وتراجع المحتوى والإنتاج الذي يُقدمه هؤلاء الشباب بكل تسرع وضحالة، وليت الأمر يقف عند هذا الحد، ولكن هناك الكثير من الأفكار والقناعات التي قد تتسبب في تشويه صورة المجتمعات العربية.

قد يُحسب لهؤلاء المثقفين الجدد قدرتهم الفائقة على استخدام وتوظيف الوسائل والوسائط التقنية الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي لنشر وتسويق المحتوى والإنتاج الثقافي والمعرفي بشكل مبسط وجذاب رغم الخلل والقصور في أغلب ما يُقدمون، كذلك قربهم المباشر من جمهورهم ومتابعيهم وهم في أغلبيتهم الساحقة من الأجيال الشابة، كما تلاعب هؤلاء الشباب بكل قواعد وأعراف المشهد الثقافي الذي صاغته الرموز الثقافية الملهمة.

ولكن في المقابل، يُعاب على هؤلاء المثقفين الجدد تسرعهم في نشر المحتوى والإنتاج وتسطيح الثقافة والمعرفة، وعدم التأكد والتحقق فيما يُصورون ويُغردون في منصات الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي وهو ما قد يتسبب في إرباك وتضليل المتابعين والمريدين، كما يتعرض هؤلاء المثقفون الجدد للنقد اللاذع نتيجة ما يقدمون من محتوى يُشكك في الكثير من الثوابت والمسلمات ويُقارب العديد من التابوهات والممنوعات، ويُعاب عليهم أيضاً عدم النضج والعمق ما يجعلهم صيداً سهلاً لكل من يُريد أن يستخدمهم أو يؤدلجهم.

ظهور هذه الطبقة الجديدة من الشباب وفي هذه الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم، يستدعي وجود حالة فرز متقدمة تقوم بها المؤسسات والهيئات الثقافية العامة والخاصة، لكي يتم توجيه وتوعية هؤلاء الشباب ليكونوا في المسار الصحيح.