يجب أن أقول هنا: إن المدينة العربية كانت غائبة تماماً عن ذلك المشهد المحتدم، حتى لو استثنينا القاهرة التي كانت لها محاولات صناعية وتشكلت فيها بداية التحولات الاجتماعية والفكرية في عصر الأسرة الخديوية إلا أنها لم تستطع أن تشكل اتجاهاً بحد ذاتها..

من الأخبار الملفتة الأسبوع الفائت هو المرسوم الذي أصدره الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" بأن تكون المباني الحكومية جميلة، فهو يرى أنه أصبح من النادر أن تقوم مؤسسات حكومية ببناء مبان جميلة، ورغم أنه من الصعوبة بمكان تحديد مفهوم الـ "مبان جميلة" ورغم اعتراض المعهد الأميركي للمعمارين AIA على هذا التدخل السياسي السافر في العمارة، إلا أن القرار الذي اتخذه "ترامب" يثير حوارات عدة حول "هوية المدينة" ومن يصنعها خصوصاً وأنه حدد مرجعية الجمال المعماري في العمارة اليونانية والرومانية في إشارة واضحة إلى ذهنية الإمبراطورية التي كانت تمثله العمارة الرومانية، حقيقة المدن وهوياتها لا تبتعد كثيراً عن هذا القرار الجريء للرئيس الأميركي، كما أنه يعيد للأذهان الحركات السياسية والاقتصادية والفكرية الكبرى التي نشأت في القرن التاسع عشر وشكلت المدينة المعاصرة كما نعرفها اليوم.

تقوم طالبة دكتوراة -أراجع مقترحها المبدئي- بالبحث في المدينة كعلامة تجارية، وتثير تساؤلاً مهماً جداً حول هل العلامة الخاصة بالمدينة تصنعها التفاعلات الاجتماعية المتراكمة أم القرار السياسي؟ ورغم صعوبة الإجابة على هذا التساؤل الذي لا ينطبق بأي حال من الأحوال على كل المدن، فبعضها نتيجة قرار سياسي مثل مدينة بغداد التي بناها الخليفة المنصور، والزهراء بالقرب من قرطبة التي شيدها الخليفة عبدالرحمن الناصر، وقبلهما البصرة والكوفة التي بناهما الفاروق -رضي الله عنه-، إذاً القرار السياسي يمثل بداية مهمة لكثير من المدن ثم يأتي التفاعل الاجتماعي ليعيد تشكيل هوية تلك المدن،

وبعضها ينشأ من البداية وفق تراكمات وتفاعلات اجتماعية من دون أن يكون للقرار السياسي تأثير عميق في تشكيل هويتها، ويمكن أن نقول، وفقاً لهذا المعيار: إنه كلما ابتعدت المدينة عن دائرة التأثير كلما قل التأثير السياسي في تكوينها.

ومع ذلك فلا تخلو مدينة من تأثير القرار السياسي ومن الأهداف التي يرمي لها هذا القرار ولو بشكل يسير، ويبدو أن هذا المزيج المثير الذي تصنعه المدن هو الذي يخلق حالة الدهشة التي عليها بعض المدن، كان توجه الأدب الروائي في القرن التاسع عشر منصباً على تحليل ظاهرة المدن التي خلقتها الثورة الصناعية وجعلت منها مختبراً سياسياً واجتماعياً كبيراً، فظهرت رواية البؤساء لـ"فكتور هيغو" الذي فكك فيها مدينة باريس، كما كتب شارلز ديكينز "قصة مدينتين" استعرض فيها حالة مدينة لندن على وجه الخصوص في تلك الفترة، بينما تناول "دوستويفسكي" مدينة "بطرسبرغ" الروسية في روايته "الجريمة والعقاب"، السؤال غير المباشر الذي تثيره هذه الروايات هو كيف تشكلت العلامة التجارية لهذه المدن خلال قرن مهم ساهم في التحول من المفهوم التقليدي للمجتمع والمدينة إلى المفهوم الحديث؟ فقد كان القرن التاسع عشر هو بوابة الحداثة الكبيرة التي عبرت منها المدن الكبيرة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

تظهر الإشكالات الكبرى التي خلقتها مدينة الثورة الصناعية في الستينات من القرن التاسع عشر من خلال الأسئلة التي وجهها "سفدريجايلوف" إلى بطل رواية الجريمة والعقاب "راسكولنيكوف" حول مدينة "بطرسبرغ" وكأنه يحتج على اهتراء المدينة بقوله: أهذه مدينة؟ كيف أمكن أن تنشأ مدينة كهذه؟ هلا شرحت لي هذا، من فضلك! هي مدينة موظفين وطلاب من جميع الأنواع! ورغم أن هذه الأسئلة تبين كيف أن تركيبة المدينة الأوروبية أخذت في التغير منذ فترة طويلة عما كانت عليه قبل التحول الصناعي الذي واكبه تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية طبعت المدينة بطابعها؟ إلا أنها كذلك تشير إلى عصر الحوارات الفكرية الكبرى التي ساهمت في تشكيل العقل البشري في القرن العشرين، لقد انطلقت من "بطرسبرغ" أفكار "الاشتراكية الطوباوية" التي تناولها "تشيرنيشفسكي" في روايته "ما العمل" وتغلغلت في هوية المدينة المعمارية، فصرنا نسمع عبارة "حملت حجري إلى المبنى الذي يشاد للمجتمع المقبل"، وظهر ما يسمى "الفالانستيرا" أو التعاونية التي هي عبارة عن مجموعة من المباني المبنية من الآجر المقسمة إلى ممرات وغرف.

لقد عبرت هوية المدن الأوروبية عن الصراع المحتدم بين الفكر الرأسمالي والاشتراكي في القرن التاسع عشر، فظهرت عمارة تلك المدن لتعبر عن ذلك الحراك، وهو حراك -على كل حال- متجذر في التوجهات السياسية التي كانت تحركها تلك الأفكار في ذلك الوقت، يجب أن أقول هنا: إن المدينة العربية كانت غائبة تماماً عن ذلك المشهد المحتدم، حتى لو استثنينا القاهرة التي كانت لها محاولات صناعية، وتشكلت فيها بداية التحولات الاجتماعية والفكرية في عصر الأسرة الخديوية إلا أنها لم تستطع أن تشكل اتجاهاً بحد ذاتها، فلا يمكن أن نقول: إن هناك أفكاراً عربية / إسلامية شكلت هوية مدينة القاهرة في القرن التاسع عشر، ولم تمثل تلك المحاولات -التي وئدت في مهدها- أي مجال حقيقي لخلق مدينة عربية ذات هوية خاصة مختلفة عن الحركات الفكرية التي كانت تسود العالم في تلك الفترة.