تفكير المؤامرة ونظرياتها ليس ظاهرة جديدة، وقد ارتبط ببعض الأمراض الذهنية كنوع من الضلالات، وأيضاً بالأوضاع السياسية والاجتماعية في الدول، ولكن كما يبدو أن ظهوره إلى السطح اليوم كان نتيجة وجود الوسائل التي ساعدت على نشره بسرعة، وهو في آخر الأمر اعتقادات بأن هناك مجموعات تجتمع سراً للتخطيط وتنفيذ أهداف خبيثة وقد تكون تلك المجموعات دولاً وجماعات.

اليوم، علماء النفس درسوا وفسروا الأمور التي خلف الاعتقاد والقناعة بفكر المؤامرة، ووجدوا أن هناك عدداً من الآليات النفسية التي تساهم في هذه المعتقدات عندما تكون هناك حالة من الشعور لدى الأشخاص بالعجز تجاه قضية أو حدث ما أو الشعور بالغربة الاجتماعية وضعف الولاء والتمييز، وأيضاً عندما تسود حالة من عدم اليقين والخوف الوجودي كما يحدث في جائحة كوفيد 19، وفي مثل تلك الحالات تسود حالة من الاعتقاد بأن هناك قوى تتآمر ضد الأشخاص واهتماماتهم ووجودهم، وبمجرد أن تتجذر هذه المعتقدات تعمل التحيزات المعرفية أو الإدراكية على التركيز والتضخيم ونسج السيناريوهات الخيالية التي تعزز من هذه المعتقدات والخرافات، وقد تكون باتجاه خلق نوع من الحالة الخارقة وربطها أيضاً بأشخاص نتحيز لهم، وعلى الرغم من أن هذه المعتقدات عبارة عن أفكار أو عمليات إدراكية إلا أنها قد تخلق حالة من ضلالات العظمة والشعور بالاضطهاد والتوجس في النوايا مما يضطر النفس البشرية إلى تشغيل الحيل الدفاعية اللاشعورية في إطار السيطرة على القلق الشديد وحالة الهلع.

اليوم، يؤمن الناس بفكر ومعتقدات المؤامرة لتعزيز تصوراتهم الذاتية عن الأنا الخائفة، وأيضاً لإيجاد كبش فداء على مستوى الخيال لإلقاء اللوم على الآخرين، واستخدام الإسقاط كحيلة دفاعية لاشعورية للتحرر من المسؤولية وأن الآخرين هم المسؤولون، وقد يكون نوعاً من العدوان والكره للآخرين الذي يظهر بشكل إسقاطات بأنهم هم الذي يكرهوننا، أو يكون نوعاً من إسقاط الرغبات والمخاوف والعواطف على العالم الخارجي، فالفرد الذي يعاني من المخاوف والقلق الشديد والذي لا يجرؤ على إدراك خوفه يُسقط ذلك الخوف على الآخرين.

اليوم، باتت الحاجة إلى فهم هذا النشاط المعرفي أو الإدراكي للحد من المقاومة لمهددات الحياة والتعاون الجماعي وخاصة في وقت الأوبئة، ونجد المؤمنين بفكر المؤامرة أكثر عرضة من غيرهم للمخاطر والهلاك، وقد يعزى عودة فاشية الحصبة في الولايات المتحدة آنذاك إلى رفض بعض الناس للتطعيم بسبب الاعتقاد التآمري بأن اللقاحات تسبب التوحد وأمراضاً أخرى.