صادف يوم التاسع من شهر ديسمبر الجاري حلول مناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد وفق اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي اعتبرت أن الفساد ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة تؤثر على جميع البلدان، باعتبار أن الفساد يقوض الديمقراطية ويبطئ التنمية الاقتصادية ويساهم في عدم الاستقرار الحكومي.

أنطونيو غوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة علق على المناسبة قائلاً "إن الفساد فعل إجرامي لا أخلاقي وخيانة للأمانة المستودعة من الشعب، وضرره يكون أشد جسامة في أوقات الأزمات، كما في الوقت الحالي الذي يكابد فيه العالم جائحة كوفيد-19، والتعامل مع هذا الفيروس يخلق فرصا جديدة لاستغلال ضعف الرقابة وعدم كفاية الشفافية، حيث يتم تسريب الأموال بعيدا عن الناس في أوقات هم فيها أحوج ما يكونون إلى تلك الأموال".

المملكة العربية السعودية بذلت جهود عظيمة وجبارة لمكافحة الفساد بصوره وأشكاله وأنماطه المختلفة، بتبنيها تطبيق إجراءات وتدابير تنظيمية فاعلة، بما في ذلك عقابية رادعة للفاسدين خلال السنوات القليلة الماضية وبالتحديد منذ أن تولى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -يحفظه الله- مقاليد الحكم في البلاد في العام 2015.

من بين تلك الجهود وأبرزها؛ تشكيل لجنة عليا برئاسة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -يحفظه الله- في العام 2017 للقيام بحصر المخالفات والجرائم والكيانات المتعلقة بقضايا الفساد في السعودية واتخاذ ما يلزم مع المتورطين من إجراءات، كالمنع من السفر والقبض، وأيضاً لها الحق في اتخاذ الإجراءات الاحترازية. ومن بين الإجراءات التنظيمية والإدارية، صدور الأمر الملكي الكريم بضم "هيئة الرقابة والتحقيق" والمباحث الإدارية إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" وتعديل اسمها ليكون "هيئة الرقابة ومكافحة الفساد"، وتعيين الأستاذ مازن بن إبراهيم الكهموس رئيساً لها.

ومنذ ذلك الوقت والمملكة تُحقق نتائج مبهرة غير مسبوقة في مجال مكافحة الفساد، بمتابعة شخصية من سمو ولي العهد، الذي أكد على أنه لن ينجو أي شخص دخل في قضية فساد أيا من كان، معتبراً أن الفساد العدو الأول للتنمية والازدهار وسبب ضياع الفرص الكبيرة، حيث كان يقضي في السنوات الماضية على ما بين 5 % إلى 15 % من ميزانية الدولة في الأعوام الماضية.

نتيجة لتلك الجهود، تمكنت المملكة خلال الثلاث سنوات الماضية من استعادة أموال عامة منهوبة بلغت 247 مليار والتي تمثل 20 % من إجمالي الإيرادات غير النفطية، هذا بالإضافة إلى أصول أخرى تقدر بعشرات المليارات تم نقلها لوزارة المالية، والتي ستسجل في إيرادات عندما يتم تسييلها بما فيها عقارات وأسهم.

وتتويجاً لتلك الجهود الجليلة في مكافحة الفساد على الجانب الديني، صَدَعت خطب الجمعة ما قبل الماضية بأكثر من 20 ألفاً من الجوامع والمساجد التي تقام فيها صلاة الجمعة بعموم مناطق المملكة، بخطب حثت على النزاهة والأمانة ومحاربة الفساد، والحفاظ على المال العام، وعدم الاعتداء عليه، والإبلاغ عن جرائم الفساد ومرتكبيها، وذلك تزامناً مع اليوم العالمي لمكافحة الفساد.

هذه الجهود أكسبت المملكة احترام دول العالم والمؤسسات والمؤشرات الدولية التي تُعنى بمكافحة الفساد على مستوى العالم، حيث قد نوَّه معالي رئيس هيئة الرقابة ومكافحة الفساد الأستاذ مازن بن إبراهيم الكهموس بالنتائج المتقدمة التي أحرزتها المملكة العربية السعودية في ترتيب مؤشر مدركات الفساد (Corruption Perception Index-CPI) لعام 2019، وتقدمها بين مجموعة دول العشرين الاقتصادية G20، حيث تقدمت السعودية سبعة مراكز عالمية بالتقرير الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية بتحقيقها أمس، حيث حققت المملكة المركز 51 عالميا، من أصل 180 دولة، وتقدمت في مركزها بين مجموعة دول العشرين الاقتصادية G20 لتحقق المركز العاشر.

دون أدنى شك أن جهود المملكة في مكافحة الفساد، تذكر فتشكر ليس فقط على المستوى المحلي بل وحتى على المستوى الدولي، باعتبارها آفة مدمرة للاقتصاد وللأخلاق معاً، وليس ذلك فحسب، بل إنها مدمرة للعدالة الاجتماعية ومفهوم تكافؤ الفرص.

إن استمرار المملكة في جهودها الرامية لاجتثاث الفساد من جذوره، سيعود على المملكة وشعبها بالخير الوفير كونه سيسهم في ازدهار اقتصادها وفي استمرار مسيرتها التنموية بعيداً عن براثن سرطان الاقتصاد وعدو التنمية.