لا ريبَ أن المجمع الذي يحمل اسم الملك سلمان سيحظى برعايته واهتمامه، وهو القائل في إحدى المناسبات: إن "بلادنا المملكة العربية السعودية دولةٌ عربية أصيلة، جعلت اللغةَ العربيةَ أساساً لأنظمتها جميعاً، وهي تؤسسُ تعليمَها على هذه اللغة الشريفة وتدعمُ حضورَها في مختلف المجالات..

عند التفكير في إنشاء مجمعٍ للغة العربية في بلادنا، لابدّ أن يكون الانطلاقُ من مؤشراتِ وحقائقِ الواقع، وهي ذاتُ شقين: أولهُما: مكانةُ بلادنا التي تفوقُ مكانةَ غيرِها من البلدان، من حيثُ إنها منبعُ اللغةِ العربية وموطنُ متكلميها الأُوَل، ولاحقًا بُعثَ فيها النبي محمد صلى الله عليه وسلم ونزلَ القرآنُ بلغة أهلها.

ثانيهُما: تأسيسُ المجامعِ اللغويةِ العربية في العقدِ الثاني من القرن العشرين، في محيطٍ وعى كلَ الوعي سببَ تأسيسِها والأهدافَ التي ترمي إليها حين هبتْ على العالم العربي رياحُ التغييرِ التي سادتْ الوطنَ العربيَ بفضل الثورةِ العلمية والتقنية.

وكان الهدفُ إعدادَ لغةٍ قوميةٍ شاملةٍ في مفرداتها ومصطلحاتها لاستيعابِ المعاني الحضاريةِ الوافدة، بما يجعلها تواكبُ متطلباتِ الآدابِ والعلومِ والفنونِ في العصر الحديث.

ولا ريبَ أنّ القائمين على المجامعِ اللغوية العربية من علماءَ وخبراءَ وفنيين، بذلوا جهودًا عظيمةً خلال عقودٍ من إنشائها، لكنْ مما لابدّ من طرحه هو:

  • هل حققت تلك المجامع مجتمعة الأهداف الكبرى التي رُسمت لها؟

  • هل أثمرت تلك الجهودُ أنشطةً وممارساتٍ حافظت على اللغة العربية ونهضت بها؟

  • ما مدى ترجمة تلك الأهداف والجهود إلى واقعٍ في المجتمعات العريبة؟

  • هل أنجزت تلك المجامعُ المشاريعَ الكبرى التي وعدت بها، مثل المعجم التاريخي للغة العربية على سبيل المثال؟

أما ما يتعلق بما واجهته المجامعُ اللغويةُ متفرقةً ومجتمعةً، فجملةٌ من التحديات منها:

1- خاضت المجامعُ دفاعًا عن لغتها معاركَ ضاريةً غيرَ متكافئة ضد عولمة اللغة الوافدة والغزو اللغوي الغربي، الذي تغلغلَ في حياتنا مثلما تخوض الجيوشُ حربًا ضد أعدائها.

2- عجزُها عن استيعابِ الانفجارِ المعرفي الضخم، والسيلِ اللغوي الأجنبي الجارفِ الذي اجتاحَ مرافقَ حياتنا كافة، بسبب عدم القدرة على مواكبة التقدم العلمي والصناعي وثورة المعلومات، ومن أهم أسباب هذا العجز:

أ- ندرةُ العلماء المختصين في مجالات العلم والطبِ والجيولوجيا والهندسة والفن وسائر العلوم الأخرى في كل مجمع من المجامع اللغوية.

ب- ضعفُ الحوافزِ الماديةِ المشجعةِ على الإبداع، ذلك أن المطلوبَ من كل مجمع عربي إنجازُ كثير من المهمات، وهذا يحتاج إلى رفد المجامع بالكفاءات العالية من العلماء المختصين، مع رصد مبالغَ مشجعةٍ.

ومع هذا فلا أحدَ يُنكر الجهودَ الطيبةَ التي قدِّمتها المجامع اللغوية في البلاد العربية منذ إنشاء أول مجمع للغة العربية في دمشق سنة 1919، تلاه إنشاءُ مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1932.

ومن هنا فلابدّ أن يكون الانطلاقُ لتأسيس مجمعِ الملكِ سلمانَ العالمي للغة العربية من واقع المجامع اللغوية العربية؛ لتفادي أوجهِ القصور، والبناءِ في ضوء أهدافٍ تحقق المأمولَ منه لترقيةِ اللغة العربية حتى تسايرَ التطورَ السريعَ في هذا العصر؛ إن في مستوى التقنياتِ، وإن في مستوى إنجاز المشاريع الكبرى.

لا ريبَ أن المجمع الذي يحمل اسم الملك سلمان سيحظى برعايته واهتمامه، وهو القائل في إحدى المناسبات: إن «بلادنا المملكة العربية السعودية دولةٌ عربية أصيلة، جعلت اللغةَ العربيةَ أساساً لأنظمتها جميعاً، وهي تؤسسُ تعليمَها على هذه اللغة الشريفة وتدعمُ حضورَها في مختلف المجالات. إن لغتَنا العربيةَ لغةُ حضارةٍ وثقافةٍ وقبل ذلك هي لغةُ الدين القويم، ومن هنا فإنها لغةٌ عالمية كبرى شملت المعتقداتِ والثقافاتِ والحضاراتِ...».

ومن أهم الجوانب التي ينبغي لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية الاهتمام بها ما يلي:

1 - أن يبدأ المجمع من حيث انتهى الآخرون؛ وذلك:

  • بالاستفادة من مشروع الذخيرة اللغوية العربية؛ بالتنسيق مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وهي بنك آلي من النصوص القديمة والحديثة من الجاهلية إلى وقتنا المعاصر. كذلك الاستفادة من الجهود السعودية في بنوك المصطلحات، كمشروع (باسم) في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وبنك المصطلحات في الهيئة العربية السعودية للمواصفات والمقاييس.

2 - العنايةُ بالتراث اللغوي العلمي؛ لأن ما أنتجه العلماءُ القدامى كالخليل بن أحمد وسيبويه وغيرهما من العلماء اللاحقين، لم تتجاوزْها اللسانياتُ الحديثة في كثير من الجوانب، بل قد نجدُ في التراثِ مفاهيمَ علميةً قد تفوقُ من حيث نجاعتها في محكِ التكنولوجيا اللغويةِ ما هو موجودٌ الآن.

3 - إعدادُ متخصصين في علم المصطلح والترجمة المتخصصة لسد فراغ في هذا الجانب الذي يعاني منه الوطنُ العربي برمته ويتمثلُ هذا الفراغ في عدم وجود مصطلحين ومترجمين متخصصين في نقل مفاهيم التكنولوجيا؛ ويتمثلُ العمل الجماعي في أسرة من الباحثين وينتظمون فيها انتظامَ الخلايا، كلٌ يؤدي فيها عملاً جزئياً يكمّل أعمال الآخرين.

4 - وضعُ قواميسَ آليةٍ ناطقةٍ تكون على المتن الذي تعتمدُه الآلةُ في تحليلها للغات، وهذا يسهّلُ عمليةَ البحثِ والتصنيفِ كما يسهّل تعليمَ اللغة العربية للأجانب وانتشارَها وازدهارَها.

5 - مدّ الجسور مع المختصين في الجامعات، ومراكز الأبحاث، لاسيما العناصر الشابة المؤهلة، والخبرات الحديثة، وإشراكهم في مشاريع المجمع وبرامجه، ضمن مخطط مدروس تكون فيه المؤسسات العلمية والأدبية والإنسانية، والمصانع والشركات والمؤسسات الحكومية والأهلية، شريكة للمجمع في أعماله؛ وذلك كيلا يكون أمر اللغة العربية محصورًا في المجمع وحده.

6 - وضع معجم شامل للغة العربية المستعملة عبر جماعة من الباحثين للقيام بمهمة المسح، ويوزع أفرادها على المناطق والمؤسسات المعنية، فيجردون كل الكتب التقنية والعلمية والمقالات التي صدرت في العشر سنوات الأخيرة، ويراسلون المؤسسات العلمية والجهات الرسمية المعنية بالتربية والتعليم العالي والجامعات ومراكز البحوث لإبداء الرأي في جدواه وطرق تنفيذه.

7 - تنظيم ندوات وملتقيات حول اللغة العربية في مختلف المجالات، والعمل على استغلال نتائجها ونشرها بكل الوسائل.

8 - استقطاب الكفاءات العلمية والتقنية لتمكينها من إنجاز الدراسات والأبحاث، واقتراح البرامج التي تساعد على إنجاز أبحاث المجمع ومشاريعه.

9 - التواصل مع مؤسسات البحوث المتخصصة في تكنولوجيا اللغة وهندستها بما تنتجه من تحليلات علمية باستخدام الحواسيب والمعامل الصوتية.

10 - تشجيع التأليف والترجمة والنشر باللغة العربية في جميع الميادين، ونشر الدراسات والبحوث المتعلقة باللغة العربية وآدابها وفنونها وتراثها ومستجداتها.