لم تكن موازنة المملكة العامة للعام 2021 تقليدية مثل بقية موازنات الأعوام السابقة، ليس لسبب سوى أنها جاءت بعد نحو 295 يوماً من بدء ظهور فيروس كورونا المستجد في المملكة، مُخلفاً جائحة لم يشهد العصر الحديث مثيلاً لها من قبل، ونجحت هذه الجائحة في إحداث ربكة في مسيرة اقتصادات أكبر الدول، بعدما بعثرت أولوياتها وأصابتها بدوار شديد. كان الجميع في الداخل والخارج يترقب ويتابع عن كثب، كيف ستكون الأرقام في الموازنة الجديدة للمملكة؟ التي اعتادت الإعلان عن أرقام قياسية في موازناتها السابقة، وكانت هناك ثلة تتوقع الأسوأ في الموازنة، عطفاً على ما قامت به حكومة خادم الحرمين الشريفين من إجراءات وبرامج للتخفيف عن كاهل المواطنين والمقيمين، فضلاً عن المساعدات غير المحدودة لدعم مسيرة القطاع الخاص والمحافظة على مكتسباته، ليكون على أهبة الاستعداد بعد زوال الجائحة. وكانت حكومة خادم الحرمين الشريفين على الوعد والعهد، بالإعلان عن موازنة تثلج الصدور، وتشيع التفاؤل والأمل وتؤكد لمن يهمه الأمر أن المملكة تسير على الطريق الصحيح التي ارتضته لنفسها من نافذة رؤية 2030.

أتذكر جيداً تعليقات البعض على التطلعات التي جاءت بها الرؤية في صيف 2016، حيث أشاروا إلى أن أحلامها من نسيج الخيال، وكان التركيز منصباً على كيف ستستغني المملكة عن دخل النفط الذي لطالما كان العمود الفقري لملء الخزينة السعودية لعقود مضت؟ ولم يمر وقت طويل، إلا وأثبتت الرؤية قدرتها على تحقيق أهدافها وتطلعاتها، في اكتشاف قطاعات اقتصادية تدر دخلاً كبيراً على البلاد، بعد إعادة صياغة الكثير من المفاهيم المقولبة، وتعزيز التفكير من خارج الصندوق، للوصول إلى تصورات تبني اقتصاداً قوياً، لا يتأثر بسلعة متذبذبة وقابلة للنفاد. أقول وبلغة أوضح: إن موازنة المملكة للعام 2021 مدِينة بالفضل لرؤية 2030، هذه الرؤية أنقذت البلاد من مصير مجهول لا يعلمه إلا الله، فلو أن المملكة بقيت على ما هي عليه في السابق، من دون رؤية تستشرف المستقبل وتخطط محكم، مع تراجع أسعار النفط، وفي ظل جائحة كورونا المدمرة، لكانت النتيجة أسوأ مما نتوقع.

اليوم.. أثبتنا للعالم أن المملكة دولة "استثنائية" في كل شيء، في مخططاتها وبرامجها ورؤيتها، والأهم من ذلك في عزيمة شعبها وإصراره على التغيير والإصلاح الجذري، ولا أبالغ إذا أكدت أن المملكة اليوم ومع وصول أول دفعة من لقاح كورونا، ومؤشرات زوال الجائحة، ستكون أمام فرصة ثمينة لمواصلة الانطلاقة بخطوات أسرع من ذي قبل، وتحقيق كامل طموحات الرؤية. وإحقاقاً للحق، لا يسعني سوى توجيه الشكر لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين على هذه الموازنة المبشرة بالخير، وعلى ما حملته من إنفاق مرتفع يلامس التريليون ريال، وعلى الرؤية التي أخذت البلاد إلى بر الأمان، وجنبتها أسباب التخلف والضياع، وشكراً للشعب السعودي الذي استشعر أهمية التغيير وحتميته، فأبدى تفهماً تاماً لذلك، وتعايش مع المستجدات للوصول إلى الأهداف.