يبدو أن الجوهر الكامن في الأشياء الذي يمثل النواة المولدة للإبداع أمر يصعب الكشف عنه، وهو يظهر على شكل علاقة لحظية بين الجانب الذي يصعب تعريفه بدقة في الإنسان الذي يستحيل سبر أغواره وبين الأشياء، هذه العلاقة هي التي تحرك البصيرة الفنية بشكل عام والتي لا يستطيع أن يمارس طقوسها إلا القلة المحظوظون من البشر..

في مرحلة الثانوية أوصاني أحد الأساتذة بقراءة كتاب "الإنسان ذلك المجهول" للطبيب الفرنسي "ألكسيس كاريل" الذي نشر العام 1939م، لا أكذبكم القول: إنني لم أتفاعل مع الكتاب كثيراً في ذلك الوقت، ولم أعد قراءته مرة أخرى حتى يومنا هذا، فهو يهتم بفلسفة العلوم التي ربما لم استسغها آنذاك، رغم أن العنوان جذبني بشدة، فالغموض الذي يحيط بالإنسان سواء على مستوى تركيبته البيولوجية أو النفسية والعقلية، هي مجال مغامرة لكل من يريد أن يتعرف على الجانب الرمادي لهذا المخلوق المدهش، ويبدو أنني كنت مشدوداً في تلك الفترة -مطلع الثمانينات الميلادية- إلى قراءة الروايات التي صاحبت فترة المراهقة لكنها تركت انطباعاً عميقاً لدي بتناقضات الإنسان وصعوبة تشكيل منظومة قيم مشتركة يمكن للبشر أن يؤمنوا بها بدرجة الإيمان نفسها، لا أنكر أن زخم التناقضات الذي تركته الروايات في مخيلتي أثار لدي بعض الأسئلة حول مفهوم "تنوع الثقافة"، وبالطبع لم أستطع أن أجيب على تلك الأسئلة إلا بعد سنوات طويلة.

لقد ذكرني الكاتب "دانييل جرانين" الذي كتب مقدمة لرواية "الجريمة والعقاب" في ذكرى مرور 100 عام على وفاة كاتبها الروسي "تيودور دوستويفسكي"، بكتاب "كاريل" وغموض الإنسان، لقد ذكر "جرانين" أن "ليو تولستوي يساعدنا على إدراك الإنسان، ويطلعنا على تطور شخصيته، وعلى منابع أفكاره، ويقودنا إلى أعماق روحه، أما دوستويفسكي فيساعدنا على إدراك استحالة معرفة الإنسان، ويطلعنا على لا محدوديته، وعلى فوضى مشاعره، يرينا أي تناقضات وأي أعماق لا يمكن بلوغها تكمن في نفس الإنسان"، ويبدو أن "تولستوي" الذي تأثر كثيراً بما كتبه "دوستويفسكي" أدرك استحالة فهم الإنسان لكنه حاول أن يجعل من الوصول إلى فهم هذا الغموض ممكناً.

الدهشة تكمن في الغموض، وأجزم أن البشر مدهشين بتنوعهم الغامض وصعوبة الإلمام برغباتهم وتوجهاتهم، لكن المثير حقاً أنهم عادة ما ينقلون غموضهم للأشياء التي يصنعونها أو يعيشون فيها، عندما قرأت تعليق "جرانين" على "تولستوي" و"دوستويفسكي" فكرت في الإنسان المجهول، لكني فكرت أكثر في "العمارة المجهولة"، وفي كثير من الإنتاج الفني للإنسان الذي يتصف بالغموض نتيجة ارتباطه الشديد بحالة الإنسان العقلية والنفسية أكثر من البيولوجية، وتذكرت العديد من الدراسات الأنثروبولوجية التي حملت عناوين "غابة الرموز"، إذ يبدو الإنسان مولداً للرموز أينما وجد، وهذه الرموز ما هي إلا الجزء الظاهر من غموضه الأبدي،

كما أن محاولة فهم الإنسان من خلال فهم ما ينتجه من منتجات مرتبطة بشخصيته، وهذه تمثل حلقة شبه مفقودة في التحليل النفسي للشخصية والهوية الإنسانية بشكل عام، ولعل هذا يجعل من الصعوبة بمكان خلق "فنان" أو "معماري مبدع" لأن جانب الإبداع الغامض لا يمكن تعليمه بالطرق التقليدية فهو مرتبط بالإنسان المجهول الذي تنطوي طباعه وتوجهاته على اللامتوقع.

قبل عدة أسابيع كتبت مقالاً حول "البصيرة المعمارية"، والحقيقة أنني لم أكن بعد قرأت عن كيف كان يحسب "دوستويفسكي" خطوات "راسكولنيكوف"، بطل رواية الجريمة والعقاب، من غرفته الحقيرة إلى المكان الذي يرتاده؟ وكيف أن المشهد البصري المحيط بالقرب من سوق العلف في مدينة "بطرسبيرغ" الروسية في القرن التاسع عشر كان يزيد من الغموض البشري السوريالي؟ وجدت أن البصيرة المعمارية الغامضة تكمن في هذا التداخل المثير بين عمارة البيوت والشوارع والعمارة البشرية التي تصنع منها النسخة المشاهدة،

يبدو أن الجوهر الكامن في الأشياء الذي يمثل النواة المولدة للإبداع أمر يصعب الكشف عنه، وهو يظهر على شكل علاقة لحظية بين الجانب الذي يصعب تعريفه بدقة في الإنسان الذي يستحيل سبر أغواره وبين الأشياء، هذه العلاقة هي التي تحرك البصيرة الفنية بشكل عام والتي لا يستطيع أن يمارس طقوسها إلا القلة المحظوظون من البشر.

أثارت هذه الملاحظات مسألة تعليم العمارة والفنون بشكل عام، فكما أن كليات الآداب نادراً ما تصنع أدباء، كذلك كليات العمارة والفنون نادراً ما تصنع معماريين وفنانين، إذاً ماذا يجب علينا أن نفعل حتى نبني جيلاً من المستبصرين في الفنون والأدب والعمارة؟ ربما نحن بحاجة إلى التغذية البصرية والأدبية العفوية، فمدينة "فلورنسا" في إقليم "تسكني" الإيطالي كانت المدينة الولادة لكبار الفنانين مثل "مايكل أنجلو" و"ليوناردو دافنشي"، لأنها مثلت معايير الجمال في عصر النهضة فكانت مهداً للبصيرة الفنية والمعمارية ومسقطاً للعديد من المفكرين والفلاسفة، ويظهر لي أن الخليط الذي كان سائداً بين المدارس التقليدية والخبرة العفوية التي كانت تصنعها المدينة هي التي شكلت الغموض الخلاق الذي ميز سكان المدينة في فترة تاريخية محددة.