صدرت يوم الثلاثاء الماضي الميزانية العامة للدولة للعام المالي 2021 في ظروف صحية واقتصادية استثنائية بسبب أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد (COVID - 19)، التي حلت بالعالم العام الماضي، ولا يزال العالم حتى الآن يعيش تداعياتها غير المسبوقة الصحية والاقتصادية.

ليس بخافٍ على أحد ما تسببت فيه الجائحة من تراجع في أداء الاقتصاد العالمي، حيث توقــع صنــدوق النقــد الدولــي (International Monetary Fund - IMF) أن يحدث انكماش في الاقتصاد العالمي تصل نسبته 4.4 % في العام الحالي، وأن يعود النمــو للمســتويات الإيجابية خلال العام القادم بتقديــرات تبلــغ 2.5 % نتيجـة لتعافـي اقتصـادات الـدول.

الاقتصاد السعودي لم يكن بمنأى عن تداعيات الجائحة فــي ضــوء مــا شــهده الاقتصــاد العالمــي مــن آثــار ســلبية، سيما حين النظر إلى التراجع الحاد في أسعار النفط العالمية، بسبب الجائحة، حيث تراوحت أسعار خام برنت بين أكثر من 63.8 دولارا للبرميل في شهر يناير الماضي لتعود وتنخفض إلى أدنى مستوياته في أبريل الماضي إلى نحو 9 دولارات أميركية للبرميل، وتبعاً لذلك تراجعت الإيرادات النفطية من بداية العام الحالي حتى شهر يونيو بنحو 35 % مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، هذا بالإضافة إلى التراجع في الإيرادات غير النفطية لنفس فترة المقارنة بنحو 37 %.

ولكن وعلى الرغم من التراجع الحاد في الإيرادات العامة بشقيها النفطي وغير النفطي، إلا أن صحة المواطن والمقيم، بما في ذلك مخالفو نظامي العمل والإقامة حظيت باهتمام الحكومة التي وضعت نصب أعينها سلامة الإنسان فوق كل اعتبار، وخصصت تبعاً لذلك مبلغ 47 مليار ريال لدعم جهود القطاع الصحي لمواجهة فيروس كورونا، ليشمل ذلك الفحص المجاني للجميع والتكفل بمصاريف التشخيص والعلاج، حيث على سبيل المثال، بلغ عدد فحوص فيروس كورونا في كافة مختبرات وزارة الصحة حول المملكة، منذ بداية الجائحة حتى شهر نوفمبر الماضي أكثر من 9.6 ملايين عينة.

كما وأطلقت الحكومة 149 مبادرة تجاوزت مخصصاتها 218 مليار ريال لمساندة القطاع الخاص والأفراد والمستثمرين، وبالذات قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، حيث على سبيل المثال لا الحصر، أعلنت الحكومة عن مبادرات لتخفيف الأثر المالي والاقتصادي على القطاع الخاص المتمثلة في إعفاء وتأجيل بعض المستحقات الحكومية، هذا بالإضافة إلى إعلان الحكومة عن تحمل 60 % من رواتب موظفي القطاع الخاص للسعوديين. كما ودعم البنك المركزي (ساما) القطاع الخاص ببرنامج بلغت قيمته 50 مليار ريال وأيضاً قام البنك بدعم آخر لتعزيز سيولة المصارف التجارية وشركات التمويل لتمكينها من دعم القطاع الخاص.

وتبعــاً لهــذه التطــورات، يتوقــع أن يرتفــع عجــز الميزانيــة فــي نهايــة العــام المالي الحالي إلــى حوالـي 298 مليـار ريـال، ويستهدف خفضـه فـي نهايـة العـام القادم ليصـل إلى 141 مليار ريـال، ما يعادل 9.4 % مـن الناتـج المحلـي الإجمالي، وأن يسـتمر بالانخفاض التدريجـي علـى المـدى المتوسـط ليصـل إلـى مـا يقـارب 4 % مـن الناتـج المحلـي الإجمالي فـي العـام 2023.

رغم الظروف الصحية العصيبة التي مرت على العالم منذ بداية هذا العام والتي انعكست سلبيا على الأداء الاقتصادي العالمي، إلا أن المملكة تمكنت من التعامل معها بجدارة واقتدار كعادتها في التعامل مع أزمات مرت على العالم خلال السنوات الماضية، وذلك بتجنيد كافة إمكاناتها وقدراتها المالية لسلامة الإنسان وصحته، ثم بعد ذلك لسلامة الاقتصاد وتعافيه.