هذا عنوان كتاب للمؤرخ الفني والناقد ماير شابيرو. كتب الفن ليست كتباً فقط، هي أشبه ما تكون بزيارة معرض بينما يتحدث إليك أحدهم شارحاً لك ما ترى أو يبثك معلومات تمكنك من تقدير ما تنظر إليه بشكل أعمق. وهذا الكتاب يفعل ذلك بشكل رائع.

الكتاب نشر في العام 1983، نشر للمرة الأولى في العام 1960. يتحدث الكتاب عن عبقرية فان جوخ، وكيفية استخدامه الألوان، ويتحدث أيضاً عن فان جوخ الإنسان، فان جوخ الذي التصق بالناس، القرويين، البسطاء، المتعبين، المحتارين، الذين تظهر على ملامحهم آثار قسوة الحياة وعلى أيديهم شظف العيش.

يحتوي الكتاب في نصفه الثاني على أربعين لوحة تملأ كامل الصفحة، ويقابلها تعليق وشرح الكاتب في الصفحة المقابلة. في نصفه الأول أيضاً يتحدث عن لوحات أخرى كثيرة، وضعت بالأبيض والأسود، وعبقرية زمننا الرقمي جعلتني قادرة على البحث عن كل لوحة مذكورة ومشاهدتها بالألوان بينما كنت أقرأ تحليل شابيرو لها في الكتاب.

ولأنني مغرمة بفن البورتريه جذبني هذا التعليق من شابيرو وهو يتحدث عن هذا الفن عند جوخ "هذا العشق للبورتريه لا يفاجئنا عند شخص ملتصق بعمق بالإنسانية مثل فان جوخ".

وبينما كان الجميع معرضين عن هذا الفن كان فان جوخ مؤمناً أن مستقبل الفن المعاصر يكمن في هذا المجال، البورتريه..

في ذلك الزمن كما الآن كانوا يعتقدون أن التصوير الفوتوغرافي سيقضي على الفن التشكيلي، ونسوا أن "الانطباعية تهتم بالشكل بدرجة أبعد بكثير مما يمكن للصورة التقاطه". يقول شابيرو في كتابه.

كان فان جوخ يقول: "أحب رسم العيون أكثر بكثير من رسم الكاتدرائيات العظيمة".

يغطي الكتاب عقداً من الزمان من حياة فان جوخ، من سن السابعة والعشرين حتى السابعة والثلاثين، الزمن الذي أبدع فيه أعظم اللوحات التي أغنت الفن التشكيلي والفن بشكل عام في كل العالم، في هذا الكتاب يذكرنا شابيرو أن لوحات فان جوخ هي أول لوحات تحمل ألواناً براقة، ساطعة ومشرقة في القرن التاسع عشر.

يتتبع في عقد من الزمان رحلات فان جوخ وتغير تقنية فنه حسب المكان، فرنسا وبلجيكا، وحسب الأشخاص الذين صادقهم مثل جوجان، وانتهاء بالمصحة التي حرص فيها على متابعة فنه بالرغم من العزلة والنفسية المضطربة.

الكتاب يمنحنا هذه المتعة، متعة مشاهدة اللوحات ومتابعتها زمنياً، متابعة حالة فان جوخ نفسياً، ومكانياً. متابعة طريقة تفكيره من خلال كلمات قالها أو دونها في رسائله لأخيه. والأهم طبعاً قراءة اللوحات تقنياً ولونياً من خلال عيني خبير هو ماير شابيرو.