سيظل الفرد، العاشق للمعرفة والباحث عنها، هو الرقم الصعب واللاعب الرئيس في الترجمة ونقل ثمرات العقول، ولن تلحق به المؤسسات باشتراطاتها وقيودها إلا بكد وجد، يختار المترجم ما يستحسنه ويستظرفه ثم يعكف عليه أيامًا ولياليَ حتى يُنجزه، والمؤسسات كالجامعات مثلاً تضع خداً على كفّ..

لو خطر بذهن باحث علمي أنْ يدرس المترجمات السعودية في تخصصه، ويتقصّى خلفها المكتبات العامة والتجارية، ويبذل جهده في إيضاح دورها وكشف فائدتها، ويُقدّم في الأخير نصائحه للقراء حول ما يستحق عناء القراءة وتعب المطالعة، حتى تُميّز المترجماتُ، وتُعرف أقدارها، لكان قد صنع لهذه البلاد وأهلها صنائع معروف تُخلّد ذكره وتُبقي أثره وتكون لسان صدق بعده.

هذا الباحث العلمي، الذي خطر ببالي أن يقوم بهذا الدور، هل يجد في مؤسسات الدولة ما يُساعده ويعينه ويضع بين يديه إحصاءً دقيقاً لما ترجمه السعوديون خلال العقود القريبة؟ إن المترجمات أساس من أسس البناء في مجتمع مثل مجتمعنا، ما زالت تغلب عليه الاستفادة من غيره، ولن يُحقق هدفه، ويصل إلى مبتغاه، ما لم تكن المترجمات بعض همّه، ولها نصيب من فكره، يدفعه إلى الاهتمام بها، والتدقيق في مُنتخباتها.

إنّنا اليوم نشكو من كثرة الترجمات ونتبرّم من زَحْف المترجمين، كما نشكو من سيل الكتب العربية، وتقاطر الناس على التأليف، حتى ألّف جمعٌ لم يُؤدوا حق التأليف، فأصبح لزاماً علينا، ونحن في عصر الفضاء المفتوح، أن نفحص ما ترمي به المطابع، وتجود به الرؤوس، لئلا ينفق المواطن ماله ووقته في غير ما يفيده وينتفع منه، وتلك حالة يدركها كلّ مَنْ كانت القراءة متعته وسدمه، والبحث العلمي شغله وشاغله، وكانت المخاوف تنتابه أن يكون كصاحب حنين وخفيه، يطمعُ في الكثير من غيره، فيُبتلى بالكثير يُؤخذ منه.

إنّ سوق الكتب هذه الأيام، ومنها المترجمات، من أعظم الأسواق تدليساً وأكثرها غشاً، وليس ثمة مَنْ قام يهدي الناس ويُسدي لهم النصيحة فيه، وحسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق، حسبنا أن نجد في المكتبات ترجمة د. رمضان عبد التواب لكتاب يوهان فك (العربية) تُباع مع أنّه قد سطا على ترجمة النجار، وسارت بخبر ذلك الركبان! إن سوق الكتاب، وهو من أسواق التجارة الرابحة، ينتظر من المؤسسات والمتطوعين، ونحن في زمن التطوع، من يقف عليه، ويبذل من وقته في فحص بضاعته واختبار موجوداته، فيُعرّف بالقيّم منها، ويُحذّر من غيرها.

ما الذي يجعلنا في الجامعات نشتد في قبول أفكار الدارسين، ونضع لها الحواجز الكثيرة، ونُجري عليها الاختبارات الكثيفة، ثم نفتح أذرعنا لكل ما هبّ ودبّ من المترجمات والمؤلفات، نستقبل من البحوث الضعيف وأخاه، ونبتاع من المترجم الأعجم وشِبهه، لا نرضى لباحثنا العلمي، وقد أحسنّا صنعاً، أن يغش أخاه ويحتال عليه ثم نُفسح المجال لغيره حتى يملأ السوق بالغثّ والرديء؟

إن المؤسسات التي جعلتها عنواناً لهذا المقال صنفان وربّما كانت أكثر: الجامعات السعودية، ومعاهد الترجمة والتعريب، ومنها معهد الملك عبدالله -رحمه الله- التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود، والأسئلة الموجهة إلى هذه المؤسسات: ما الدور الذي قامت به في الترجمة ومتابعة المترجمات في سوق الكتاب؟ كم كتاباً ترجمته هذه الجامعة أو تلك في تخصصات طلابها؟ وما جهودها في مراقبة سوق الترجمة؟ ألا تستطيع كل جامعة أن تختبر الترجمات، الموجودة في مدينتها، وتختصر على نفسها وطلابها طريق ترجمة كتب تخصصاتها وعلومها؟ لماذا لا يكون واقع الترجمة في بلادنا، وأقصد بها الكتب المتناثرة على أرفف مكتباتنا جزءاً من الخدمة التي تُقدّمها الجامعات ومعاهد الترجمة والتعريب للقراء وطلاب العلم في الجامعات وغيرها؟

لقد نشأ معهد الملك عبدالله للترجمة والتعريب منذ ثماني سنوات تقريباً، وكان من أهدافه التي أُسس لها أن يُثري الميدان العلمي في الجامعة، فيُترجم المراجع المهمة للطلاب، وينقل من اللغات الأخرى ما يدعم حركة البحث العلمي، ولم أسمع وأنا في قسم النحو والصرف وفقه اللغة شيئاً عن ترجماته أو خطته في ترجمة ما يعود بالنفع على تخصصات قسمي، ولا أذكر أنه طلب من القسم استشارة حول ما يستحق الترجمة والنقل، وكلّ ما يُقال عن المؤسسات يُثبت حقيقة واحدة، ويدل عليها، وهي أنّ الباحث المستغرق في البحث هو مركز الدائرة، وليست المؤسسات.

سيظل الفرد، العاشق للمعرفة والباحث عنها، هو الرقم الصعب واللاعب الرئيس في الترجمة ونقل ثمرات العقول، ولن تلحق به المؤسسات باشتراطاتها وقيودها إلا بكد وجد، يختار المترجم ما يستحسنه ويستظرفه ثم يعكف عليه أيامًا ولياليَ حتى يُنجزه، والمؤسسات كالجامعات مثلاً تضع خداً على كفّ، وتُحملق بأعضاء هيئة التدريس لعلهم يمنون عليها بترجمة كتاب ونقل سفر، فإذا ما جادت لها الأيام بالمطلوب، وشاءت لها الأقدار ذلك، نثرت العقبات أمام المترجم، وقالت: هيّا أرنا قدرتك على الوفاء بما طُلب منك، فلا هي قامت بالترجمة، ولا هي اختارت كتباً وطلبت من الناس من يترجمها، ولا هي سهّلت على المترجم سبيله إلى الترجمة!