لا أنكر أبداً أنني شعرت بمتعة بصرية عالية وأنا أقرأ الرواية، ولعل هذا السر أشاركه مع القارئ العزيز، فالقراءة التي تغذي العين نادرة، لذلك فأنا أنظر للرواية كمشهد بصري تخيلي أرسم من خلاله مشاهد الأمكنة والشخصيات وأتوقف عند التفاصيل طويلاً..

"أولاً الألوان... ومن ثم البشر، هذه عادتي في رؤية الأشياء أو على الأقل، هكذا أحاول أن أراها، وفق هذا الترتيب" تبدأ رواية "سارقة الكتب" للكاتب الأسترالي "ماركوس زوساك" بهذه العبارات البصرية التي تضج بالفلسفة، لكنه يفاجئ القارئ أن من يقول هذه الكلمات ومن يروي الحكاية بأسرها هو "قابض الأرواح" ملك الموت، أول الأسئلة المتناقضة التي تثيرها الرواية مرتبط بثنائية الموت والحياة، فمن جهة هناك التشبث بخيوط الحياة الواهية في ظروف صعبة أثناء الحرب العالمية الثانية وفي مدينة صغيرة بالقرب من "ميونخ" تدعى "مولشينغ" وفي شارع بائس اسمه "هيمل"، المكان بصفته خشبة مسرح للحكاية لم يكن يتمتع بأي مواصفات معمارية مثيرة كي يشدني، لكن التفاصيل التي كان يصف بها "قابض الأرواح" تلك الأمكنة ككيانات حية كانت أقرب إلى الشعر، فتتحول التفاصيل البسيطة مع هذا الوصف الساحر إلى فضاءات مفعمة بالحياة مع أن من يحيكها مسؤول عن الموت.

"يلاحظ الناس الألوان التي يصطبغ بها اليوم في بدايته ونهايته فحسب، ولكن من الواضح بالنسبة إليّ أن اليوم يندمج بالعديد من الظلال والتدرجات اللونية، مع مرور كل لحظة، حيث يمكن لساعة واحدة أن تتكون من آلاف الألوان المختلفة"، يمكن أن نقول: إن هذه الرواية تتحدث عن كيف يرى الناس الأشياء؟ وكيف يتأثرون بها؟ لكنها في الواقع لا تكتفي بهذا العرض "الرومانسي" فقط فهي تغوص عميقاً في الشرائح الطبقية للمجتمع الألماني إبان تولي "الفوهرر أدولف هتلر" منصب المستشار لألمانيا العام 1933م، وصعود الحزب النازي في عهده، وكيف استحالت المدن بشوارعها وبيوتها وسكانها إلى مزيج متداخل من المشاهد البائسة التي تدفع إلى اليأس؟ في تلك اللحظات نفسها يولد بين هذا البؤس واليأس براعم التشبث بالأمل، وكأن من يحكي الحكاية يريد أن يوصل رسالة للجميع بأنه كما يوجد الموت توجد الحياة، وكما أن لكل إنسان نهاية لا يستطيع الفرار منها يوجد لديه في الوقت نفسه متسع لتذوق الحياة والمساهمة في تطويرها.

هل يصنع المكان الشعر؟ أو هل يؤثر فيه؟ وبالطبع أنا أتحدث عن كل مكان سواء كان جميلاً أو بائساً، ويبدو أن هذا السؤال يمر دائماً بتجربة علي بن الجهم مع المتوكل، فبتغيير المكان تتغير لغة الشعر، فكل تجربة حسية تتأثر بالمحيط المادي الذي تنشأ فيه التجربة لكن يبقى الشعور الذي يملكه الشاعر وقدرته على تصوير الأشياء بصور يصعب أن يراها الآخرون، هذا عادة ما أبحث عنه عندما أقرأ أي رواية، يقول قابض الأرواح: "وعلى الشارع نفسه، توجد الكنيسة الناهدة للسماء، بسقفها المرصوف بقرميد بديع، والشارع، بشكل عام، يأخذ شكل أنبوب رمادي طويل، وكأنه ممر لا ينتهي من الرطوبة، يعبره المارة في البرد القارس، ويسمع فيه الصوت الرقيق للخطى الغارقة في الماء"، استوقفني هذا المشهد العمراني الحي لمكان تتجسد فيه المعاناة الإنسانية كل يوم وعلى مدى سنوات وكأن الكاتب يرسم صورة بريشة فنان.

لن أحكي لكم حكاية "سارقة الكتب" حتى لا أفسد عليكم متعة قراءتها، لكنها تدور حول فتاة اسمها "ليزيل" يتم تبنيها وتنتقل إلى مدينة "مولشينغ" لتلتحق بأسرتها الجديدة وتخوض في حياتها الجديدة تجربة "عمرانية" فريدة، كوني أرى أن الأمكنة تحتضن الأحداث وتصنع صورتها المحسوسة بل وتوجهها في كثير من الأحيان، أذكر في مطلع الألفية كنت مهتماً بالعمارة والرواية، وكنت أدعي وما زلت بأننا يمكن أن نفهم المدينة والقرية السعودية من خلال الكم الهائل من الروايات التي بدأت تتراكم في تلك الفترة، أذكر أنني كتبت مقالاً مطولاً عن هذا الموضوع شاركني فيه معماري شاب متحمس اسمه فهد العتيبي (أصبح أستاذاً مساعداً الآن في كلية العمارة في جامعة القصيم)، كان ذلك المقال البداية التي لم تستمر طويلاً للأسف.

لا أنكر أبداً أنني شعرت بمتعة بصرية عالية وأنا أقرأ الرواية، ولعل هذا السر أشاركه مع القارئ العزيز، فالقراءة التي تغذي العين نادرة، لذلك فأنا أنظر للرواية كمشهد بصري تخيلي أرسم من خلاله مشاهد الأمكنة والشخصيات وأتوقف عند التفاصيل طويلاً، لذلك عندما عرفت أن "سارقة الكتب" تحولت إلى فيلم سينمائي، بحثت عن الفيلم وبدأت في مشاهدته ولكن لم أكمل بعد قراءة الرواية لكني توقفت بعد دقائق وقررت مشاهدة الفيلم لاحقاً كي لا أفسد متعة القراءة البصرية للرواية، وبصراحة أكثر طالما أصبت بخيبة أمل عند مشاهدة العديد من الأفلام لروايات طالما أبحر خيالي معها، لقد تيقنت أن قوة الكلمة أكبر من قوة الصورة رغم كل ما يقال عن عالم الصورة هذه الأيام.