في صيف 2016، حملت رؤية 2030 الكثير من الطموحات والتطلعات لإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس قوية لا تلين، لم نكن نصدق أنفسنا من فرط الدهشة والفرحة، عندما أعلنت تلك الرؤية أنه حان الوقت لوقف الاعتماد على دخل النفط، والاستعانة - بدلاً منه - بقطاعات استثمارية أخرى، تدر أرباحاً مستدامة قد تفوق دخل النفط.

كنا نتساءل فيما بيننا، كيف للمملكة التي ظلت عقوداً تعتمد على نفطها في ملء خزينة الدولة وإنفاق مخصصات الميزانية السنوية، أن تدير ظهرها للنفط فجأة ودون سابق إنذار؟ ولكن الإجابة لم تتأخر علينا كثيراً، عندما أعلنت الرؤية اعتمادها على قطاعات اقتصادية أخرى، لم تنل حظها من الاهتمام والعناية، وعلى رأسها قطاعا السياحة والترفيه.

ذكاء رؤية 2030 والدراسات العلمية والميدانية التي انطلقت منها، جعلت منها بمثابة «خريطة طريق»، لإعادة اكتشاف مقدرات الوطن، واستثمار إمكاناته بالطريقة الصحيحة، للوصول إلى الأهداف المأمولة، فلم يمر وقت طويل، إلا وأثبت قطاع السياحة والترفيه أنه بمثابة «الحصان الأسود» لدعم الاقتصاد الوطني، من خلال برامج وخطط وفعاليات متدرجة، تحول المملكة في وقت قريب إلى وجهة سياحية رئيسة في منطقة الشرق الأوسط، لا تقل أبداً عن دول مجاورة سبقتنا في تنشيط قطاعاتها السياحية وبلغت الآفاق.

أتذكر كيف كانت الصحف الوطنية تُحصي كل عام ما أنفقه المواطنون في سياحة الخارج، الذي تجاوز 97 مليار ريال في العام 2016، وأتذكر أيضاً الدعوات التي لطالما كان يرددها البعض بضرورة إنعاش السياحة الداخلية، فلا نرى شيئاً من تأثير هذه الدعوات يتحقق على أرض الواقع، ليبقى الأمر على ما هو عليه إلى أن حققت الرؤية المعادلة الصعبة.

وإذا كانت فوائد قطاع السياحة والترفيه في أي دولة كثيرة ومتنوعة، فهي في المملكة لا حصر لها، فليس أولها وقف نزيف الأموال التي كانت تنفق في الخارج، وليس آخرها توفير فرص الاستثمار الجاد، ومعها آلاف الوظائف للشباب، مروراً بدعم الاقتصاد وتعزيز جودة الحياة.

في زمن الرؤية، تعاملت المملكة بحرفية عالية مع قطاع الترفيه والسياحة، ونظرت إليه على أنه صناعة قابلة للتطوير والنمو متى وجدت الدعم، وكان ثمرة ذلك انخفاض ما أنفقه المواطنون على السياحة الخارجية في 2018 بما يفوق 19 مليار ريال، ليصل الإجمالي إلى 78 مليارا فقط، هذا في حد ذاته إنجاز تحقق في عامين فقط من تطبيق الرؤية، فلنا أن نتخيل ماذا يكون عليه الأمر بحلول 2030، خاصة بعد الانتهاء من المشروعات السياحية العملاقة، مثل البحر الأحمر والقدية ونيوم.

يبقى الرائع في الأمر، الوعود التي أطلقها سمو ولي العهد، بأن تصبح المملكة منطقة جذب سياحي على مدار العام، ولا يقتصر الأمر على فترة بعينها، وهذا ما رأيناه بأعيننا، ففي الصيف فعاليات ترفيهية، وفي الشتاء فعاليات مماثلة، بيد أن ما ينعش القطاع، ويزيد الإقبال عليه، ذلك الإبداع في اختيار الفعاليات السياحية المتنوعة، والإبداع في تنفيذها، والإبداع في إعلان الآلية عنها، والإبداع في إرضاء السياح وتلبية أمنياتهم.. ومن هنا يُصنع النجاح.