كيف يمكن أن تصمد المدن أمام الأزمات الاقتصادية؟ وكيف يمكن أن تستعيد حيويتها وتبدأ من جديد؟ يبدو أن المخاوف الكبيرة التي كانت تواجهها المدن الخليجية قاطبة، هي: ماذا لو تقلص النشاط الاقتصادي في تلك المدن وهجرها سكانها، فهل ستصبح مدن أشباح؟ شكلت هذه الأسئلة المؤرقة حواراً واسعاً بين المهتمين في دول الخليج..

يبدو أن 10 آلاف عام من تاريخ التمدن ينذر بوصول المدينة بشكلها المعاصر إلى مرحلة الشيخوخة المزمنة التي يصعب معها وجود علاج لها، فمن جهة أصبحت المدينة المجال الأهم للعمل والاستثمار، ومن جهة أخرى تحولت إلى فضاء للتكدس البشري الذي ينذر بمخاطر محدقة تهدد أولاً مصادر الغذاء، وثانياً البيئة والمناخ بشكل عام. تمثل المدن أنظمة معقدة، تجمع معاً آلاف الخيوط الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية التي تؤثر على رفاهية الفرد والمجتمع، لقد نشأت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) -وهي منظمة دولية تعمل على بناء سياسات أفضل من أجل حياة أفضل- من أجل صياغة السياسات التي تعزز الرخاء والمساواة والفرص والرفاهية للجميع بتجربة ميدانية تصل إلى ما يقرب من 60 عاماً من الخبرة والأفكار لإعداد عالم الغد بشكل أفضل.

وفي دراسة أولية للمخاطر الكامنة التي قد تنشأ نتيجة المدن المتكدسة أنه رغم أنها تغطي 4 ٪ فقط من الأرض، إلا أنها تجذب نصف السكان تقريباً وتقترب من 55 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي، لذلك فإن سكان العالم يتأثرون بنمو سكان المدن والمناطق الحضرية، ومن الواضح أن تركز الأعمال والوظائف والفرص الاقتصادية ينحاز بشدة إلى السكن في المناطق الحضرية مقارنة بالريف، في العام 1950 كان سكان المدن أقل من مليار وسوف يصل إلى ما يقرب من 6 مليارات في العام 2050م، حسب ما أكدته إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة العام 2014م، هذه الإحصائيات المرعبة تتطلب إعادة النظر في شكل المدن المعاصرة بدلاً من مناداة البعض بمضاعفة سكان المدن، فالنظرة الاقتصادية الأحادية للمدينة قد تجلب مخاطر غير منظورة على المدى البعيد.

في التسعينات من القرن الماضي تصاعدت الأصوات حول الضربات الموجعة التي صارت تسببها المدن لبيئة الأرض وتصاعد ظاهرة الاحتباس الحراري، الأمر الذي أدى إلى نشوء مصطلح "الاستدامة" خصوصاً بعد قمة "ريو دي جانيرو" في البرازيل العام 1994م، تعيدني رغبة البعض في خلق مدن متكدسة بشرياً التي تحقق منافع اقتصادية آنية وعابرة إلى مطلع الألفية الثالثة وخصوصاً سبتمبر من العام 2000م، فقد قمت بعمل دراسة ميدانية على مدينة دبي -تم نشرها في مجلة البناء عدد سبتمبر 2000م، مما يعني أن الدراسة بدأت قبل شهر سبتمبر بعدة شهور- والتقيت آنذاك بأحد المسؤولين في بلدية دبي وذكر لي بانزعاج أن خطة المدينة هي زيادة عدد السكان من مليون إلى 3 ملايين نسمة، في ذلك الوقت كانت دبي في بداية تحولها إلى مدينة جاذبة، وكان برج العرب والجميرة بيش وأبراج الإمارات على وشك الانتهاء وبعضها افتتح قريباً، وكانت فكرة المرسى الغربي مجرد أفكار على الورق، لكن دبي استمرت في التنمية العمرانية، وبدأت في استقطاب السكان الكونيين العابرين للقارات، وأنشأت أنظمة وقوانين تتلاءم مع التوجهات الجديدة لحكومة الإمارة.

النجاح الباهر الذي حققته دبي من خلال زيادة سكانها الكونيين، والذي صاحبه تطور عقاري غير مسبوق في مطلع الألفية الثالثة، أدى إلى ظهور مصطلح "الدبينة" أي محاولة تكرار نموذج دبي من قبل مدن خليجية وإقليمية وعالمية، مما ولد بعد ذلك تململاً من الجيران صاحبه حراك محموم في العديد من المدن الخليجية التي حاولت أن تقلد دبي بشكل أو بآخر، وما صاحب ذلك من استيراد للسكان وتخلخل في البنية الثقافية لتلك المدن، على أن الأزمة المالية العام 2008م غيرت كثيراً من المفاهيم حول "الدبينة"، فقد واجهت دبي أزمة مالية كبيرة في ذلك العام اضطرت معه أن تتنازل عن جزء من أحلامها وحتى عن واقعها، وظهرت في ذلك الوقت مجموعة من المصطلحات المهمة على مستوى التخطيط للمدينة مثل "المدينة الهشة" Fragile City و "المدينة القادرة على إعادة التشكل" Resilient City، وكانت الأسئلة المطروحة هي: كيف يمكن أن تصمد المدن أمام الأزمات الاقتصادية؟ وكيف يمكن أن تستعيد حيويتها وتبدأ من جديد؟ ويبدو أن المخاوف الكبيرة التي كانت تواجهها المدن الخليجية قاطبة، هي: ماذا لو تقلص النشاط الاقتصادي في تلك المدن وهجرها سكانها، فهل ستصبح مدن أشباح؟ شكلت هذه الأسئلة المؤرقة حواراً واسعاً بين المهتمين في دول الخليج، وأذكر أنه تم مناقشتها في أحد ملتقيات التنمية لدول الخليج الذي أقيم في العام نفسه (2008م)، ربما لم يحدث شيء من تلك المخاوف لمدن الخليج العربي، لأنه ولحسن الحظ ارتفعت أسعار النفط بشكل لافت، الأمر الذي وفر سيولة نقدية تجاوزت بها دول المنطقة الأزمة المالية، ولكن "هل كل مرة تسلم الجرة؟"، لأن التوسع السكاني والعمراني يصنع "وهم النمو الاقتصادي"، بينما هذا النمو لا يصمد أمام أول هزة اقتصادية.