لقد اعتادت دولة الملالي تصدير الإرهاب إلى دول العالم بأسره، عبر وكلائها في تلك الأصقاع، ولأنها كانت توفر الملجأ الآمن لكل الميليشيات الإرهابية لم يحدث أن استُهدفت بعملية من العمليات الإرهابية كسائر الدول، ولكن السحر انقلب على الساحر مع مطلع العام 2020..

عنوان المقال شطرُ بيتٍ للشاعر العربي نصر بن سيار من قصيدة أطلقها يستنهض بها هممَ العرب بعد أن حفّ بهم خطر المجوس، وما أشبه الليلة بالبارحة:

"قومٌ يدينون دينًا ما سمعتُ به

عن الرسولِ ولا جاءتْ به الكتبُ

فمَنْ يكنْ سائلي عن أصلِ دينهمُ

فإنّ دينَهم أن تُقتلَ العربُ"

تثبت الوقائع والأحداث الراهنة أن دولة المجوس، تعاني غصصاً مزمنة، تاريخيًا وجغرافيًا، جعلتها حتى اليوم عاجزة عن ابتلاع ما منيت به من هزائم وتقويض لإمبراطوريتها في موقعة القادسية، فظلت أحقادها تنمو طوال العصور، ويتوارثونها أباً عن جد.. وقد أكد أحد الإيرانيين هذه الحقيقة بقوله: "نحن لم ننسَ بعدُ هزيمتنا أمام العرب في القادسية، ففي أعماقنا حقد تجاه العرب، وكأنه نار تحت الرماد تتحول لهيباً كلما سنحت الفرصة"! لا يتقبل الفرس نزول القرآن باللغة العربية، ولا أن يكون نبي المسلمين من أصل عربي! لهذا زعموا - لفرط جهلهم - أن القرآن نزل عربيًا حتى يعقل العرب ويتأدبوا، معتمدين على الآية الكريمة (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)!

ويتحدث بعض المفكرين والكتاب الغربيين، عن تدمير المنطقة العربية بأيدي الأميركيين، كاللغوي الأميركي نعوم تشومسكي الذي أكد في كتابه (من يحكم العالم) أنّ احتلال العراق كان "جريمة القرن الحادي والعشرين الكبرى، فبعد أن عانى العراق من حصار مضنٍ، جاءت الآلة العسكرية الأميركية لتعيث قتلًا وفسادًا وامتهانًا لآدمية العراقي، وأججت نيران الفتن الطائفية. وبعد أن انسحبت القوات الأميركية بات الفائز الوحيد هو إيران.. وأن غزو العراق قد ساهم في انتشار الإرهاب في العالم بسبعة أضعافه في المنطقة".

إنّ من يتأمل ما وصلت إليه الأحداث في منطقتنا العربية، يدرك بلا أدنى شك أن العرب أصبحوا أضيع من الأيتام على موائد اللئام، فلقد تكالب عليهم اللئام من كل حدب وصوب، ولولا تصدي بلادنا لمخططاتهم، لكانوا ابتلعوا دولًا أخرى، وأما اليمن فقد جعلوها جرحًا يستنزف الجهود والأموال والأرواح، بتواطؤ مكشوف بين عدة أطياف برعاية ما يعرف بالأمم المتحدة ومبعوثيها في اليمن!

لم ينفك الملالي منذ ثورة المقبور الخميني عن التهديد باحتلال أجزاء من منطقة الخليج العربي، وبعض الدول العربية، وقد أعلنوا عن مطامعهم مرات عديدة، ومن هذه التهديدات ما صرّح به أحد علمائهم المعروف باسم (الكناني) لقناة فضائية بقوله: "نحن أمة جاهدنا من ألف وأربع مئة سنة، كنا ألفي شخص الآن أصبحنا ثلاث مئة مليون.. ونحن نسعى إلى السيطرة على الحجاز، وعلى نجد، وعلى الكويت، وعلى البحرين، واليمن. الحوثيون والزيديون إخواننا سوف يكونون الطوق الذي نسعى إلى امتداده على كل المنطقة، نحن لا نسعى إلى الأندونيسيين، أو إلى الجزائريين، أو إلى إفريقيا؛ لأن هؤلاء (يعني الخليجيين) يتبعون آفاق هذه المنطقة أي العراق"! أمّا مدة السيطرة فجعلوها "خمس مراحل على مدى خمسين عامًا، الأولى: التأسيس ورعاية الجذور، الثانية: مرحلة البداية، الثالثة: مرحلة الانطلاق، الرابعة: بداية قطف الثمار، الخامسة: مرحلة النضج". وبما أن الثورة جاوزت أربعين عامًا، فإنهم حسب الخطة الزمنية قد وصلوا إلى مرحلة بداية قطف الثمار! لكن الله خيب مساعيهم، إذ وقفت بلادنا سدًا منيعًا أمام مخططاتهم، وذلك من صميم دفاعها عن أمنها وأمن دول الخليج العربي واليمن، تلك الدول التي تشكل بلادنا عمقًا استراتيجيًا لها، ولا يمكن أن تقف موقف المتفرج من انتهاكات الملالي، وهنا يحق لنا أن نسائل أولئك الخانعين عمن يتعدى على الآخر ويتدخل في مجاله الجغرافي، نحن أم الولي السفيه؟ ومن الذي يوظف المذهبية المقيتة ويجرها إلى ساحاتنا؟ ومن ذا الذي يستدعي الحرب بكل حمولاتها، من تهديد وتهريب أسلحة وتدريب وإعداد خلايا وميليشيات في لبنان، لترتحل بكل ما فيها من موبقات عبر عملائها إلى مناطقنا؟

لقد اعتادت دولة الملالي تصدير الإرهاب إلى دول العالم بأسره، عبر وكلائها في تلك الأصقاع، ولأنها كانت توفر الملجأ الآمن لكل الميليشيات الإرهابية لم يحدث أن استُهدفت بعملية من العمليات الإرهابية كسائر الدول، ولكن السحر انقلب على الساحر مع مطلع العام 2020 إذ اغتالت أميركا الإرهابي قاسم سليماني ومرافقيه، كما اغتيل منذ أسبوع ونحن على مشارف نهاية العام كبير علماء طهران النوويين وأحد قيادات الحرس الثوري فخري زادة، فجاء اغتياله قاصمة ظهر للنظام.

إن المبادرة إلى تعزية إيران بمقتله وإدانة اغتياله واعتباره عملًا إرهابيًا، يعدّ مؤشرًا على تماهي بعض الدول والأحزاب مع الملالي، كما يكشف خوف وتبرؤ بعضها الآخر، حتى يجعلوا من لم يسارع إلى الإدانة والتعزية كأنه شريك للفاعل.

كذلك فإن الصمت الذي ران منذ أمد على كثير من الدول العربية عمّا يحدث في المنطقة، إمّا تواطؤًا مع النظام الإيراني، وإمّا خوفًا منه، وإمّا مناصرة لإرهابيي اليمن الحوثيين، يؤكد لا مبالاتهم فما من شيء يحول دون أن يأتي الدور عليهم، وسوف يؤكلون كما أُكِل الثورُ الأبيض؛ أعني لبنان، فالصمت "العربي هو الثغرة التي نفذ منها النظام الإرهابي الإيراني إلى بعض المناطق العربية"!

يقول الكاتب اللبناني رضوان السيد: "نحن في المشرق قسمان؛ قسم احتلته الميليشيات الإيرانية وفككت دوله ومجتمعاته، وقسم تحت التهديد والابتزاز.

وهناك من جهة أخرى، صلابة الحكومات في دولنا الكبرى والقادرة، لإيقاف هذا التهديد عند حدّه"!

فما أحرانا أن نستشعر الخطر المحدق بنا من بني صفيون، كما استشعر نصر بن سيار - والي خرسان في أواخر العهد الأموي - الخطر الذي أحاق بالأمة، فقال محذرًا بني أمية من مغبة الحرب:

أَرى خَلَلَ الرَّمادِ وَميِضَ نَارٍ

ويُوشكُ أن يَكُونَ لَهَا ضِرَامُ

فقلت من التعجب ليتَ شِعري

أأيقاظٌ (العربُ) أم نيامُ؟