"الاعتراف بالذنب فضيلة"، تكاد تكون هذه المقولة الرائعة أحد أكثر المأثورات العربية استخداماً وترديداً في حياتنا، ولكنها في حقيقة الأمر لا تعبر عن الواقع الحقيقي الذي نعيشه في صراعاتنا ومواجهاتنا، الصغيرة والكبيرة.

الوقوع في الخطأ أو التعرض للفشل في حياة الإنسان، مهما كان هذا الإنسان، حالة طبيعية وحتمية، فلا يمكن أن يكون هذا الإنسان على صواب دائماً أو يُحقق النجاح باستمرار، فالأمور والظروف عادة تتأرجح بين الصواب والخطأ وبين النجاح والفشل.

إن عدم الرغبة أو القدرة على الاعتراف والإقرار بالخطأ والفشل، ثقافة سلبية يكتسبها البشر نتيجة الخوف من الصورة التي قد يحملها الآخرون حينما نقع في الخطأ أو نتعرض للفشل، وهو خوف مرتبك ممزوج بشعور بالخجل، يُطلق عليه عادة "الشعور بعقدة النقص". هذه العقدة المضطربة هي من تتصدر الأسباب والدوافع التي تُحرّض البشر على عدم الاعتراف بالخطأ أو الخسارة.

وأنا هنا لست بصدد الكتابة عن تعريفات وتوصيفات وأسباب ودوافع وآثار هذه الثقافة السلبية وهي عدم الاعتراف والإقرار بالخطأ والفشل، لأن ذلك يتطلب مساحة أكبر من مقال محدود كهذا، ولكنني فقط أحاول مقاربة هذه القضية الخطيرة التي تكاد تكون سمة بارزة في فكر ومزاج وسلوك نسبة كبيرة من أفراد ونخب ومكونات المجتمع.

لقد تسببت هذه الحالة السلبية بتراجع وغياب الكثير من القيم والثقافات المهمة التي تُسهم في تنمية ونهضة المجتمعات والشعوب والأمم، كثقافة المراجعة والتقييم والتصحيح والنقد والاعتذار والاعتراف والتسامح، الأمر الذي أتاح للكثير من الأفكار والسلوكيات السلبية أن تتنامى وتتعاظم كحالة الإنكار والمراوغة والتعالي والغرور والكبر والتعصب.

ويؤكد علماء النفس والاجتماع أن التمسك والتشبث بوجهات النظر والمعتقدات، حالة طبيعية يلجأ إليها البشر نتيجة موروثات وتراكمات اجتماعية ونفسية، وهي مقبولة في حدودها ومستوياتها البسيطة، ولكن خطورتها تظهر حينما تُستخدم في الأمور والجزئيات المهمة في حياة البشر، حيث يُصر البعض على عدم الاعتراف أو الإقرار بالخطأ أو الفشل، كما لو كان هذا البعض يملك العصمة المطلقة والحقيقة الثابتة أو النظر للأمور والأشياء باللونين الأبيض والأسود فقط.

يبدو أن الوقت قد حان لأن تُمارس مؤسسات التنشئة الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني وكل المؤسسات العامة والخاصة دورها الحقيقي لتعزيز ثقافة الاعتراف بالخطأ أو القصور وثقافة الإقرار بالفشل أو الخسارة، والتحذير من المكابرة والتعصب للأفكار والآراء، لكي تختفي - أو تقل - تلك "الشخصية الكمالية" التي تظن أنها دائماً على صواب وتملك كل الحقيقة.

تقول الحكمة الصينية: "ليس هناك خطأ أكبر من عدم الاعتراف بالخطأ".