كان يتهكم على "الصوت" (وهو علاج لا يمكن قياسه علمياً بالنسبة له) لكنه نوع من الحس الراقي، وكان الابن يريد أن يوصله لأبويه من خلال بصيرته المعمارية الصامتة، والموقف الصعب جعلهما يقتربان من هذا الحس الإنساني المتفوق..

«رجل العائلة» A Family Man فيلم من بطولة «جيرارد بتلر» يحكي قصة رب أسرة لديه 3 أطفال، ولد وبنتين وزوجة محبة ويعمل في شركة مهمتها اختيار الكفاءات المتميزة للشركات أي إنه Head Hunter في مجال الموارد البشرية، الرجل محب لأسرته لكنه منشغل عنها بعمله. يحدث أن ابنه الأكبر يمرض ويصاب بلوكيميا الأطفال وأدخل إلى المستشفى على إثر ذلك، لكن حالته كانت متأخرة جداً، الابن، رغم أنه لم يتجاوز العاشرة من عمره، إلا أن لديه موهبة الرسم وقد شاهده والده يرسم مبنى «بوكري» للمعماري «دانيل برنهام «Daniel Burnham، لكن الأب كان منشغلاً بعمله ولم يستطع أن يتلمس هذه الموهبة الفطرية لدى ابنه، هنا يتحول الفيلم إلى حوار حول عمارة شيكاغو، ومن المعروف أن هذه المدينة ترتبط بها مدرسة شيكاغو للعمارة التي تطورت بعد حريق المدينة العام 1871م، حيث ظهر أباطرة العمارة الأميركيين أمثال «لويس سوليفان» صاحب مقولة «الشكل يتبع الوظيفة» و»ريتشاردسون» و»أرنهام» الذي وضع مخطط وسط شيكاغو.

لقد كان واضحاً أن الولد الصغير لديه «بصيرة معمارية» وهي موهبة الإحساس ورؤية العمارة التي لم يكن والده يملكها، وهي موهبة تولد مع الإنسان وتظهر على شكل مجموعة من الأحاسيس وردود الأفعال غير النمطية، أثناء وجود الابن في المستشفى خرج مع والده في جولة وسط المدينة وعند أحد المباني اقترب الابن من الجدار ووضع أذنه على الجدار وكأنه يحكي له تاريخ المكان، حاول الأب أن يجاري ابنه لكنه لم يستطع أن يفهم الشعور المرهف الذي كان يملكه ابنه، هنا تظهر البصيرة المعمارية التي لا يملكها كثير من الناس، ترتبط هذه البصيرة بنوعين من الإبصار: «العين العارفة» وهي عين تعرف ولديها معلومات وتمثل قدرة مهمة على الإبصار، و»العين المجربة» التي تتمثل في البصيرة المعمارية، ويبدو أن الابن رغم صغر سنه إلا أن لديه عين مجربة من خلال الفطرة والموهبة ومن خلال الرسومات التي كان يقوم بها بشكل ملفت، يستمر الحوار بين الأب والابن والأم في زيارات متكررة لوسط المدينة.

وعند برج «الهيرالد تربيون» الذي بني في العشرينات من القرن الماضي إثر مسابقة معمارية عالمية أثارت ضجة كبيرة، كان الحوار حول الطراز القوطي الذي تتبناه مدرسة شيكاغو وكان متغلغلاً في مفاصلها الفكرية في تلك الفترة، وفي أحد الحوارات تظهر موهبة الأم في معرفتها لتفاصيل مبنى «ورغلي» Wrigley الذي تأثر بمأذنة «الهيرالدا» في إشبيلية، ويتضح من خلال الحوار أنها عملت فيه في فرع أحد البنوك عندما كان عمرها 17 عاماً، التفاصيل هنا مبهرة وتخلق مشهداً معمارياً فلسفياً وفكرياً عميقاً، فالخلفية الثقافية التي أراد الفيلم إيصالها تكمن في مثل هذه الحوارات التي تتزاحم مع المشاهد الدرامية للأسرة المنكوبة.

في إحدى الزيارات لمبنى «فرانك جيري» (جناح «جي برتزكر» Jay Pritzker)، كان الأب يحاول أن يشرح لابنه عن «جيري» وأنه صمم مبنى متحف «جوجنهايم» في بلباو في إسبانيا، فرد عليه الابن أنه يحب «فرانك»، البصيرة المعمارية لا تكتسب لكنها تتطور وتتحول إلى مولد للإبداع، إذا لم يكن الإنسان لديه هذه البصيرة فلن يستطيع أن يرى ما وراء الأشياء، ما أدهشني في هذا الفيلم هو صناعة سيناريو قائم على انطباعات فردية حول العمارة، وتمحور الأحداث بين الابن وأبويه حول الفطرة والموهبة التي يملكها، ومحاولته الصامتة أن يجعل أبويه يفهمانها، وأثناء الأحداث توقف قلب الابن فجأة وتم إنقاذه لكنه دخل في غيبوبة.

الطبيب كان ينتظر قرار الأب بفصل الأجهزة لكنه لم يستسلم، وفي تلك الأثناء بدأ الأب يتغير ومنهجه في التفكير القائم على الأنانية واقتناص الفرص تحوّل إلى مساعدة الآخرين، وكان يتذكر خلال هذا التغير بصيرة ابنه المعمارية، الطبيب قال له: إن ابنه بحاجة أن يسمع صوتهم، لربما يشفى، لم يكن الأب مقتنعاً بهذه الفلسفة من طبيب هندي يعتنق عقيدة «السيخ»، فقد كانت عقيدته مادية خالصة، وكان يردد: «كل هذه التقنية وملايين الدولارات التي تم استثمارها والطبيب يقول لي: إن ابني قد يشفى من سماع الصوت»، لكنه في النهاية صار يلتزم المكوث مع ابنه، وفي لحظة ما كان في المنزل وصله اتصال من زوجته فظن أن ابنه مات فصار يجري إلى المستشفى لكنه تفاجئ أن ابنه فاق من الغيبوبة، كان يتهكم على «الصوت» (وهو علاج لا يمكن قياسه علمياً بالنسبة له) لكنه نوع من الحس الراقي، وكان الابن يريد أن يوصله لأبويه من خلال بصيرته المعمارية الصامتة، والموقف الصعب جعلهما يقتربان من هذا الحس الإنساني المتفوق.

في اعتقادي، إن استبصار العمارة والفنون بشكل عام هو نوع من العلاج الخلاق.