فتوى «لعق الأضرحة» تكشف تهافت أيديولوجية الولي الفقيه

نظام خامنئي ضحى بالإيرانيين على مذبح الدجل

تمثل جائحة كورونا مرحلة مهمة للوقوف على سلوك المؤسسات الدينية الإيرانية الرسمية ومواقفها تجاه أزمات الكوارث والأوبئة، وكشف تفكير نخبها القيِّمة عليها والمسؤولين عن إدارة العقل المذهبي ومعترك الفكر الديني، وكيفية تعاطيهم مع المستجدات والنوازل، وتوجيه الرأي العام.

إضافة إلى توظيف الجائحة في تحقيق مكاسب داخلية وخارجية من ورائها، والهروب بمجمل الأزمة للأمام عبر الحديث عن مؤامرة خارجية تقوم بها الولايات المتحدة.

سنتطرق في دراستنا هذه إلى معرفة مدى أبعاد تديينِ الأزمة، وتسييسِها، وربطِها بهاجس تعزيز الشرعية المذهبية والسياسية، ومدى سخط السلطة تجاه من ناهضوا قراراتها الشعائرية.

أولاً: استهداف الثورة

ذهبت النخب الدينية الإيرانية الحاكمة إلى أن فيروس كورونا جرى تخليقه من قوى الاستكبار العالمي المتمثلة بالولايات المتحدة الأميركية، من أجل استهداف «الثورة الإسلامية»، وأخذت هذه العبارة بالانتشار بداية من مرشد السلطة الدينية والسياسية علي خامنئي، الذي قال في 13 مارس 2020م: «إن الأدلة تشير إلى احتمالية أن يكون فيروس كورونا هجوماً بيولوجياً متعمداً».

وبعد رواج هذه المقولة تلقفتها النخب الدينية والمنابر الإعلامية، وعملت على ذيوعها وانتشارها كونها أمراً طبيعياً وبديهياً، لا افتراضاً يقبل التشكيك..

فأكد عضو مجلس خبراء القيادة أحمد خاتمي هذه المقولة في 19 أبريل 2020م، ولم يستبعد تخليق الفيروس بيولوجياً من قبل الولايات المتحدة: «لا يمكن استبعادُ إمكانية الحرب البيولوجية في تفشِّي فيروس كورونا.. وقوى الاستكبار العالمي المتمثلة بالولايات المتحدة الأميركية تقف وراءه».

وقبل ذلك أكد النهج نفسه رئيس السلطة القضائية حجة الإسلام إبراهيم رئيسي في 16 مارس 2020م، مطالباً بتعزيز القُدرات البيولوجية دفاعاً عن الدولة.

كما عدّ حيدري في 20 أبريل 2020م، أن فيروس كورونا مُخلَّق بيولوجياً من قبل قوى الاستكبار العالمي لمواجهة الثورة الإسلامية الإيرانية: «إن فيروس كورونا مُخلَّق بيولوجياً، والهدف الرئيس لهذه الحرب هو مواجهة الثورة الإسلامية في إيران».

ورجّح مهدي طائب، رئيس مقر عمار الإيراني في 18 مايو 2020م تخليقَ الفيروس، من قبل الولايات المتحدة لاستهداف الثورة الإسلامية: «الولايات المتحدة هي من صنعت كورونا، وذلك لقطع خيط البصيرة الدينية والإرشاد الإلهي، بعدما رأت أن إيران أصبحت شعلة لإرشاد العالم.... العلم ينتشر من قم إلى العالم، وقد فهموا هذا جيداً فأتوا لإطفاء هذه الشعلة».

وتأتي تصريحات مهدي طائب مشابهة لتصريحات قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامة، بحسب ما أفادت وكالة «إيسنا»: «إيران تخوض الآن حرباً ضد فيروس كورونا الذي قد يكون نتيجة هجوم بيولوجي يستهدف الصين وإيران»، ثم بعد أيام أبدى استعداد إيران لمساعدة الولايات المتحدة في مواجهة الفيروس، وذلك في كلمة بثها التلفزيون الإيراني في 25 مارس 2020م: «في حين يعاني الأميركيون من تفشي كورونا وغير قادرين على حماية شعبهم، فأنا أقول لهم إن كان الشعب الأميركي بحاجة إلى مساعدة فإننا مستعدون لهذا الأمر، لكننا لسنا بحاجة إلى مساعدتكم».

وهكذا تناغمت مقولات النخب الدينية الإيرانية، واتفقت على تخليقِ الفيروس أمريكيا لاستهداف ثورة إيران منارة العلم التي تحتاجها شعوب الأرض.

وانتقد بعض الإصلاحيين تماهي وتماشي النخبة الدينية الإيرانية مع المزاعم الصينية، والتي طالما هتفت باستقلالية القرار الإيراني: «لا شرقية ولا غربية»، (من مقولات الخميني التي تم تبنيها كشعارات للهتاف في تظاهرات الشوارع)، كيف لها أن تنحني ناحيةَ الشرق، ما أفقد القرار الرسمي الاستقلالية، فردّ الأُصوليون بانتقادَ متحدّث وزارة الصحة للصين في 25 أبريل 2020م، بأنه «مُكلف: وتعاملوا معه بحدّة».

وحاصل القول إن موقف النخب الدينية والسياسية الإيرانية تجاه مسألة التخليق البيولوجي للفيروس، ورفض إغلاق الحسينيات والعتبات، سبب رئيسي في انتشار الفيروس، حيث عدّ حيدري في 20 أبريل 2020م أنَّ هدف قوى الاستكبار العالمي هدم مدينة قم باعتبارها عاصمةَ الثورة الإسلامية: «إن قم هي عاصمة الثور الإسلامية ومركزها، وهي المرجع والملاذ الروحي والديني لأتباع هذا الخطّ المعادي للاستكبار العالمي، وهي الداعم الأساسي للمقاومة الإسلامية، لذلك شاهدنا كيف استثمر الأعداء هذه الفرصة للإضرار بسمعة قم المقدسة.... إنّ الأبواق الإعلامية العالمية استغلت الفرصة تحت ذريعة كورونا، لتشويه صورة قُم ورجال الدين والمرجعية الدينية، وأعلنت بشكل كاذب أن مصدر فيروس كورونا هي قم».

ثانياً: النموذج الإيراني لا الغربي

رأت النخب الدينية والسياسية الإيرانية النموذج الفلسفي الإيراني في علاج كورونا بديلاً عالمياً للنموذج الغربي الذي أخفق، وضخمت النموذج القومي الإيراني على حساب النموذج الغربي، وذلك على غِرار ما قال المرشد خامنئي في 06 مايو 2020م: «لحُسن الحظ، فإن الشعور بالفكر الإسلامي وسلسلة القيم الإسلامية قوي وراسخٌ للغاية عند الشعب، خلافاً للرغبات والأشخاص الذي عملوا في العقدين الأخيرين على تحقير الثقافة الإيرانية، وتوجيه الشعب صوب نمط الحياة الغربية، وفي مقابل ذلك كشفت الثقافة والحضارة الغربية عن طبيعتها، ومنها ما حدث في أميركا وأوروبا... حيث تصادر حكومة أقنعة وقفازات دولة أخرى وشعب آخر، أو يقوم الناس بإخلاء الأسواقِ من البضاعة يومياً في ظرف ساعات قليلة».

واللافت في الأمر أن المرشد خامنئي انتقد الدول الغربية وشعوبها على حدّ سواء، فالنموذج الإيراني الكامن في عقله، يجب أن يسود ثقافة الشعوب وتصرفاتها الأخلاقية، فحكم على الغرب في 6 مايو 2020م بأنه: «يتمتع بروح البربرية، لكوننا ندركُ أن التعطُّر وارتداء ربطة العنق والتأنق لا ينفي تلك الحقيقة، وهذا ما اعترفوا به بأنفسهم».

وأكد في مناسبة أخرى في 10 مايو 2020م، فشل الفلسفة الاجتماعية الغربية في إدارة أزمة كورونا قائلاً: «إن الغرب فشل في مجالات الإدارة والفلسفة الاجتماعية والأخلاق، خلال مواجهته لفيروس كورونا... ثم أن روح ومضمون الفلسفة الغربية بُنيا على الماديات والمال».

وكرر محمد رضا يزدي أحد قادة الحرس الثوري في 09 أبريل 2020م، ما ذهب إليه خامنئي قائلاً: «إن الفيروس أفشل مخطَّطات الغرب لتعميم العولمة، وتدمير كيان الأسرة»، وهذا أيضاً ما ردده ممثل المرشد خامنئي في سورية أبو الفضل طباطبائي إشكذري في 02 مايو 2020م: «فيروس كورونا رغم صغر حجمه دمّر هيمنة الدول الاستكبارية... لقد شاهد الجميع كيف يسرق الغربيون المستلزمات الصحية من بعضهم بعضاً، وكيف سلبوا حق الحياة من الأشخاص المسنين والعجزة، وتركوهم لحالهم ليموتوا».

وتنبأ الشيخ محمد ليالي في 10 يونيو2020م بسقوط الولايات المتحدة، قائلاً: «إننا نشهد عصر أفولِ أمريكا، وسقوط النظام الليبرالي»، وشاطره الرأي الشيخ محمد ملك زاده في 10 يونيو 2020م، «أن ما نشهده هو بوادر سقوط النظام الليبرالي الحاكم في الغرب».

وأنكر المرشد خامنئي في خطاب له في 22 مارس 2020م حاجة الإيرانيين إلى دواء أميركي، فرفض قبول أي مساعدات أو دواء في حال توفُّره، وكرر الكلام نفسه الأدميرال حبيب الله سياري في 13 أبريل 2020م: «إيران تتغلب على الفيروس بإمكاناتها الداخلية فقط».

كما تسعى النخب الدينية والسياسية الإيرانية للوصول إلى مرحلة الحكومة العالمية، غير مبالين بالأعراف الدولية، ولا بحدود الدول وسيادتها، ومن التصريحات اللافتة في هذا المقام، ما جاء به إسماعيل قآني في 11 أغسطس 2018م (عندما كان نائباً لقائد فيلق القدس): «إن التدخُّلات الإيرانية في كربلاء والنجف، وسورية ولبنان، ليست سوى تدخلات براغماتية، هدفُها إقامة حكومة إمام الزمان التي ستحكُم العالم أجمع».

ولهذا نجد أن النخب الدينية والسياسية الإيرانية تريد إقصاءَ الآخر، باعتبار أن «إسلام الولي الفقيه» وفق ثقافتها لا يقبل القوميات ولا الفلسفات ولا التصورات الدينية الأخرى، كما أنه في نظرهم: «أمور ثابتةٌ مطلقة غير نسبية»، كما جاء في كتاب المجتمع والتاريخ لمرتضى مطهري، ص 49.

ولا شك أن هذه الشواهد تدلّ على خطورة ومدى قصور الفكر الفلسفي الديني والعقل المذهبي المؤدلج عند النخبة الدينية والسياسية الإيرانية الذين لا يرون خلاصاً للشعب الإيراني وللعالم أجمع من هذه الجائحة والوباء إلاّ في اتباع نموذجهم.

ثالثاً: مذهبة الأزمة

استعملت النخب الدينية والسياسية لنظام ولي الفقيه مصطلحات مذهبية خالِصة، لمخاطبة الشعب الإيراني إبان جائحة كورونا باعتبارها أمراً مساعداً لتهيئة الأرض والعباد لظهور المعصوم لقيادة العالم.

لذلك حكمت بفشل نماذج الحكم الغربية، ورأت أن الحل في إحلال النموذج المعرفي الإيراني الإمامي، وأن جائحةَ كورونا مؤشر قوي وتمهيد لظهور المعصوم.

ولا شك أن هذه الأفكار موجهة بالدرجة الأولى إلى الشعب الإيراني الذي اتهم نظام الملالي بالفشل في مواجهة الجائحة، لأن الخارج لا يعنيه أمر المعصوم، فضلاً عن ظهوره، إلاّ أن نظام الملالي يؤكد بإصرار على حاجة العالم إلى الإمام المعصوم كما جاء على لسان المرشد خامنئي في 21 أبريل 2020م: «إن العالم كله اليوم يشعر بالحاجة إلى منقذ، الحاجة إلى المهدي، الحاجة إلى القدرة الإلهية، إحساس الحاجة إلى إمامٍ معصوم، الحاجة إلى العصمة، والحاجة إلى التوجيه الإلهي».

فأراد ولي الفقيه من خطابه تعبئة العقل المذهبي بأحمال أيديولوجية متعلِّقة بإحلال نموذج ولي الفقيه بدلاً من النموذج الغربي لإنقاذ البشرية كلها.

وهذا التضخيم من دور الإمام المعصوم في إنقاذ البشرية وتصحيح المسار، جاء في تصريحٍ لافت لعضو معهد الثقافة والفكر الإيراني الإيراني قاسم ترخان، في 28 أبريل 2020م، يرد على سؤال عن سبب عدم تدخل الإمام المهدي في دفع بلاء تفشي فيروس كورونا، قائلاً: «لا يتوقَع من الإمام تحطيم نظام الأسباب والمسببات، ونفس الأمر ينطبق على سنن الله في الكون..، وأحياناً يكون سبب المرض هو الذنوب التي يرتكبها البشر، مثلما أن العديد من المشكلات البيولوجية ناجمة عن الأداء غير الصحيح للبشر».

فالإمام المعصوم بإمكانه أن يشفي المرضى عند قاسم ترخان، لكنه لا يفعل ذلك إنفاذاً لقوانين السنن الكونية، كما أنه لا يتدخل بسبب ذنوب البشر.

كما أكد علم الهدى إمام جمعة مشهد في 28 أبريل 2020م على ما ذهب إليه سابقوه: «إن الأزمة أظهرت عدم قدرة الأنظمة الحاكمة في العالم على الإدارة.... فالعقيدة المهدوية هي فكر سياسي عالمي، وقد نشأ لتتم إدارة حياة البشر بطريقة تفوق الطريقةَ البشرية، وذلك بعد أن سئم العالم من الأنظمة الإدارية المختلفة».

لذلك يكون الحلّ في إصلاح العالم من وجهة نظره هو إقامة الحكومة العالمية بزعامة العقيدة المهدوية التي باتت أداة من أدوات التوظيف السياسي الأيديولوجي، للتأثير على الشعب الإيراني، وتعزيز الشرعية المذهبية.

رابعًا: العتبات المقدسة

إن الرأي الفقهي لدى النخب الدينية والسياسية الإيرانية هو عدم إغلاقِ العتبات الدينية، أو المدن المقدسة، لأنها مراكز دواء وشفاء من الأمراض، ما شكّل ذلك التراث الروائي عقلية المراجع الدينية، والذاكرة التراكمية لعوام الناس قروناً من الزمن.

أ. منع الإغلاق

كان رفض إغلاق العتبات الدينية موقفاً غير قابل للطرح لدى النخب الدينية والسياسية الإيرانية، فسيد محمد رضا سعيدي - ممثل المرشد في مدينة قم وإمام جمعة قم طلب في 26 فبراير2020م من الناس الذهاب إلى «الحرم المقدس» للشفاء من كورونا، قائلًا: «نعتبر هذا الحرم المقدس دار شفاء، ودار الشفاء يعني أن يأتي الناس إليه للحصول على علاج لأمراضهم الروحية والجسدية، وبناء على هذا يجب أن يبقى هذا المكان مفتوحاً، ويجب على الناس أن يأتوا بكثرة!!!».

وعندما أعلن مجلس محافظة قم تعليق الصلاة في مرقد «السيدة المعصومة» لتعقيمه، أصدر مسؤولو المرقد في 04 مارس2020م مذكرة تنتقد هذا القرار، مؤكدين أن «هيكل الضريح مضاد للجراثيم، وهو حاجز قوي لوباء كورونا!!!».

وبسبب تلك المواقف الغارقة في الطقوسية والمذهبية، اتسعت رقعة انتشار الفيروس، وتحدّى بعض العامة الفيروس عبر لعق هياكل الأضرحة لكونها مواضع شفاء، لا مواطن وباء، رغم مطالبة الأطباء بمنع الذهاب إلى العتبات باعتبارها مركزاً رئيساً لتفشِّي فيروس كورونا في إيران.

ب. إغلاق العتبات

بعد تفشي فيروس كورونا، واتساع دائرة انتشاره في المجتمع الإيراني، والذي طال رجال الدين والمسؤولين والمريدين الذين يلعقون مواضع الأضرحة على حدّ سواء، ما أجبر نظام الملالي على التعاطي مع هذه الجائحة، بعد أن مات رجل الدين هادي خسروشاهي، الذي شغل منصب سفير إيران في الفاتيكان لمدة خمس سنوات، ومناصب دبلوماسية عديدة، ومات رجل الدين محسن حبيبي، وإصابة المرجع الديني شبيري زنجاني، (وكالة إيرنا 25 فبراير2020م)، والذي ماتت شقيقته بكورونا، وهي والدة محمد مير محمدي عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، والذي مات في 3 مارس2020م، إثر إصابته بكورونا، واضطر النظام لغلق العتبات مع إيجاد مخارج شرعية له بعد نصائح الأطباء المتكررة، في ظل تهكمات المعارضين والإصلاحيين التي طالبت المعممين بلعق مواضع الأضرحة للشفاء بدلاً من الذهاب إلى المستشفيات.

ومع ذلك فقد قوبل قرار إغلاق العتبات بمعارضة كبيرة من غالبية النخبة الدينية، خصوصاً التيار الشيرازي، حيث وجّه أحمد علم الهدى عضو في مجمع الخبراء خطاباً إليهم مطالباً به محبي آل البيت بالسيطرة على مشاعِرهم، قائلاً: «إذا كانت الاستغاثة بآل البيت أفضل علاج لرفع المصائب، فعلى الناس أن يقفوا على أسطح المنازل ويتجهوا إلى الإمام الكاظم، ويقرؤوا دعاء الزيارة ويتوسلوا به لرفع هذا البلاء!!!».

لكن في نهاية مايو 2020م، أكدت الأجهزة الطبية أن المرشد والنخب الدينية مارسوا ضغوطاً على وزارة الصحة لإنهاء إغلاق العتبات الدينية، بحجة أن الإغلاق أدى لخسارة العتبات والفنادق مادياً، كما جاء في موقعي (مهر للأنباء وخبر آنلاين) على لسان أحمد علم الهدى عضو مجمع الخبراء: «في هذه المدينة المقدسة، خسرت الشركات والفنادق مليارات من التومانات، حيث لا يأتي أحد إلى مشهد، هل نُغلق أبواب المرقد ونوقف الزيارة؟ للأسف، تم تجاهل المصالح الاقتصادية للمحافظة ومشاعر الناس الدينية»، لذلك هذه الضغوط التي مُورست على وزارة الصحة ساعدت في اتساع دائرة الوباء وانتشاره بين الناس بشكل مخيف.

خامساً: توظيف كورونا

أخفق النظام الإيراني في إدارة أزمة كورونا وتعمّد تسييسها، لتحقيق أهدافٍ داخلية وخارجية؛ مما ضاعف من حدة الأزمة التي يواجهها.

أ. داخلياً:

لقد ادّعى النظام الإيراني أن لديه خبرات واسعة وتجربة طويلة في تسيير الأمور في ظل الأزمات، خصوصاً أنه واجه عقوبات وأزمات منذ أربعة عقود، وهذا ما قاله أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني: «لقد تعلمنا لسنوات فن إدارة الحياة في الأزمة»، (وكالة مهر، 18 فروردین 1399).

وفاقمت الجائحة الأزمة الداخليًّة بكافة جوانبها بعدما تحوّلت إيران إلى بؤرة للوباء في المنطقة، وأصبح عدم الشفافية تهمةً تواجهها السلطات، بسبب عدم إعلان الحقائق المتعلقة بالوباء، خصوصاً بعدما تبين أن الحرس الثوري لعب دوراً في إصدار شهادات الوفاة التي ظهر أن بعضها لا يدوَّن بها سبب الوفاة، بل يدوَّن على أن السبب اختناق في الجهاز التنفسي، لإخفاء حجم الكارثة.. (شفق نيوز، 10 أبريل 2020م).

كما زادت جائحة كورونا من حالة الارتباك الداخلي بين أعمدة النظام الذين تبادلوا الاتهامات، حيث اتهم عضو هيئة التدريس بجامعة (مفيد) في مدينة قم، محمد تقي فاضل مؤبدي، النظام الإيراني بتسييس الأزمة، وإرجاع أسباب فشله إلى العقوبات المفروضة على إيران.

لهذا خرج النائب الأول لرئيس الجمهورية إسحاق جهانغيري مطالباً بضرورة تنحية الخلافات السياسية، والتأكيد على ضرورة مواجهة هذا التحدي، وذلك بقوله: «الظرف الحالي يستلزم التضامن الاجتماعي والتفاهم الوطني بشكل أكبر»، (وكالة إيرنا، 13 فروردین 1399).

ب. خارجياً:

رغم إخفاق النظام الإيراني وإدارته الكارثية للأزمة، إلاّ أنه حقق بعض المكاسب المؤقتة، من خلال تسييسه الأزمة، ومن أهمها مطالب بعض الدول والمنظمات بتعليق العقوبات الأميركية على إيران لأسبابٍ إنسانية، وتفعيل آلية التبادل المالي الأوروبية المعروفة بـ (إنستكس)، التي أقرتها الترويكا الأوروبية في يناير 2019م، والتي توقفت منذ أكثر من عام نتيجةَ العقوبات الأميركية.

ولأجل تحقيق تضامن شعبيٍ، حمّل سبب الأزمة لقوى خارجية تقف وراء تفشي كورونا، بل ذهب المرشد خامنئي إلى اتهام الولايات المتحدة بإنتاج فيروسٍ خصيصاً لإيران.

كما حاول النظام الإيراني استغلال انشغال العالم بمواجهة الجائحة، وقام بإشعال جبهات الصراع الخارجية، حيث صعّدت ميليشيات الحشد الشعبي هجماتها ضد الولايات المتحدة، وشنّت ميليشيات الحوثي الإرهابية هجماتها على المملكة، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط عنه شعبياً، وإخفاء فشله في مواجهة الجائحة داخلياً.

وقام النظام بأكبر حملة دبلوماسية شاركت فيها كافة مؤسَّسات الدولة من أجل كسب تعاطفٍ دولي في مواجهة العقوبات الأميركية، وقاد هذه الحملة رئيس النظام حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، ورئيس البرلمان علي لا ريجاني، ومارسوا خطاباً إعلامياً كاذباً بإحالة سبب تفشي كورونا إلى العقوبات الأميركية، وذلك بهدف تحويل العقوبات إلى مسألة إنسانية.

وعندما فشل النظام في ذلك رفض السماح للوكالة الدولية للطاقة النووية بالوصول إلى بعض المواقع، إذ رأى أن طلباتها تستند إلى ضغوط أميركية، إضافة إلى تهديده بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT) إذا لم يُلبِّ المجتمع الدولي مطالبه. (وكالة نادي الصحفيين الشباب، 11 اسفند 1399).

ختاماً.. لقد أخفق النظام الإيراني في إدارة أزمة كورونا عندما عمد إلى تسييسها داخلياً وخارجياً، لا لصالح الإيرانيين، لكن من أجل البحث عن ترياق لبقائه واستمراره.

كما حاول تعظيم مكاسبه الأيديولوجية والسياسية داخلياً وخارجياً من خلال ترويج نظرية المؤامرة ضد الشعب الإيران، فأعلن على المستويات كافة، السياسية والإعلامية والمذهبية، أنّ فيروس كورونا جرى تخليقه من قبل الولايات المتحدة لاستهداف الثورة الإسلامية، ونموذجِها الحضاري الذي سيسود العالم، محطماً الاستكبار، وناشراً العدل، ومحققاً الازدهار.

ثمّ دلَّل هذا النظام من خلال نخبته الدينية والسياسية على إخفاق النموذج الفلسفي الغربي في مواجهة كورونا، وبالتالي لم يبقَ أمام العالم لمواجهة هذا الفيروس المميت سوى اتباع النموذج الفلسفي والحضاري الإيراني في لعق قضبان مواضع الأضرحة والمزارات والعتبات المقدسة.