في رحلة البحث عن المسكن الذي ننشد فيه السعادة، كثيراً ما تكون لدينا نزعة في تقصي هذا الجانب بالمكان الخطأ، وبالتالي ندرك متأخرين، أن الأشياء التي كنا نتصور أنها ستمنحنا السعادة في المسكن مدار تطلعنا، لم تفض بنا إلى تلك النتيجة.

حيث غالباً ما تشمل متطلباتنا العامة في هذا المسكن، بالإضافة إلى حالته الجيدة بالتأكيد، أن يكون قابلاً للتكيف مع احتياجنا المسـتقبلي، ويكون فسيحاً وواسعاً ويحتوي على غرف عديدة - ربما فاقت الحاجة - وأن نجاهد أنفسنا على امتلاكه.

معهد أبحاث السعادة، الذي يتخذ من العاصمة الدنماركية - كوبنهاغن - مقراً له، ويعمل على استشراف سعادة الإنسان ورفاهيته وجودة حياته من منظور علمي، تشير إحدى دراساته إلى أن ما نسبته (73 %) ممن هم سعداء في مساكنهم، هم أيضاً سعداء في حياتهم. لكن ما أبلغ وأدق من تلك النتيجة يأتي من دراسة أخرى أكثر عمقاً وتفصيلاً في هذا الجانب، قام بها المعهد أيضاً، في سعي منه للبحث عما يجعل المسكن ذاته مبعثاً للسعادة..؟ وبالتالي يمنح قاطنيه هذا الشعور. حيث شملت تلك الدراسة عينة من سكان عشر دول أوروبية، تراوحت بين رجال ونساء، شباب وكبار في السن، متزوجين وعزاب، شاركوا فيها بآرائهم ومشاعرهم عن المساكن التي يقيمون فيها. وانطلقت الدراسة من اختيار خمسة من الاحتياجات العاطفية الأساسية لدى الإنسان، التي تمثل المحرك والباعث للسعادة التي يشعر بها فيما يتعلق بمسكنه، ومن ثم البحث عن ثقل ونصيب كل منها في هذا الجانب عند عينة الدراسة. كان أول تلك البواعث هو: التباهي بالمسكن، والثاني هو: الإحساس بالراحة داخله، في حين كان الثالث هو: تعبيره عن هوية ساكنيه، أما الرابع فهو: الشعور بالأمان تحت سقفه، لينتهي بالخامس وهو: التحكم في شؤونه. لقد أظهرت نتائج هذه الدراسة أن التباهي والاعتزاز بالمسكن وما يحتويه، هو أكثر ما يبعث السعادة في دواخل ساكنيه، ويمثل هذا الجانب نحو (44 %) من ثقل كافة تلك البواعث المشار إليها، يأتي بعده الإحساس بالراحة داخله، ويأخذ نصيب (25 %)، يلي ذلك تعبيره عن هوية ساكنيه (17 %)، ثم الشـعور بالأمان الذي يمنحه لهم (10 %)، أما التحكم في شؤونه فلم يكن باعثاً سوى لــ(4 %) للسعادة في المسكن.

ما يثير الدهشة أن كبر مساحة المسكن، وتملكه أو استئجاره لم تك مما يعتد به ضمن بواعث السعادة التي يمنحها المسكن لقاطنيه..؟! ربما لأنهم أوروبيون.. وبالتالي يتجنبون الوقوع في فخ ما يسبب تعاستهم..!