تكتسب قمة أعضاء مجموعة العشرين -التي استضافتها المملكة واختتمت أعمالها مساء أمس- أهمية تاريخية مضاعفة، تتجاوز في بُعدها الاقتصادي والسياسي والإنساني أي ظرف تاريخي صعب، ومكمن هذه الاستثنائية والتفرّد في أنها شهدت ظرفاً تاريخياً وعالمياً غير عادي، ظرف مليء بالتحديات والتهديدات التي أحدثت رعباً عالمياً وكبّد الدول جميعها خسائر وأثقل كواهلها باستحقاقات وأعباء باهظة ومكلفة، يقف على رأس هذه التحديات جائحة كورونا وما مثلته من تهديد عالمي غير مسبوق.

وتمثّل رئاسة المملكة لهذه القمة في هذا الظرف الدقيق والامتحان الصعب على دول العالم، تمثّل نجاحاً استثنائياً ليس على مستوى صعوبة التحديات التي تواجهها دول المجموعة العشرين فقط، وإنما على مستوى المواجهة والمجابهة الشجاعة الجسورة التي جنّدت من خلالها قيادة المملكة وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين- حيث شاهدنا حجم الجهود والإدارة الفاعلة والحصيفة لقيادتنا لسائر الملفات المعروضة على أعمال القمة، منطلقة في ذلك من التزام المملكة لدورها المحوري في المجموعة انطلاقاً من مكانتها الإقليمية والدولية وموقعها الجيوسياسي باعتبارها تربط بين ثلاث قارات.

وقد حفل تاريخ بلادنا بالوقوف الصادق والتشاركي لجميع الدول، وما جائحة كورونا إلا تجسيد لهذه القيمة والفاعلية لدور المملكة ومحوريّتها.

ولعل المتابع والمراقب للقمة وأعمالها يلمس روح التعاون الذي ساد بين أعضائها خلال ترؤس المملكة للمجموعة وما قدمته من رسائل اطمئنان وأمل جاءت جلية وباعثة للثقة في المستقبل عبر كلمتي خادم الحرمين الشريفين خلال الافتتاح للقمة وكذلك في ختامها، الأمر الذي يعزز من مكانة المملكة وثقة العالم التي تحظى بها عبر أفعال حقيقية ساهمت في ترسيخ حضورها الفاعل في إرساء القيم الإنسانية النبيلة والإسهام بما يخدم تمكين الإنسان وتحقيق سبل العيش الكريم في كوكبنا وإنسانه خصوصا الفقراء الأكثر عرضة لمكابدات الفقر والجوائح المهلكة ككورونا.

ومن المهم التنويه بجهود سمو ولي العهد في متابعة أدق التفاصيل المتعلقة بكامل المبادرات والاجتماعات والتنسيق لجهود المجموعة والذي بدأ جلياً في الاحترافية لإدارة أعظم وأكبر تجمُّع عالمي، وكذلك يجدر التنويه بالشعار لرئاسة المجموعة الداعي لاغتنام فرص القرن الحادي والعشرين للجميع لتمكين الإنسان وحماية الكوكب وتشكيل آفاق جديدة.

ولعل تأكيد خادم الحرمين على أهمية الحفاظ على كوكب الأرض في ظل زيادة الانبعاثات الناتجة عن النمو الاقتصادي، وأنه يجب علينا أن نكون رواداً في تبني منهجيات مستدامة وواقعية ومجدية التكلفة لتحقيق الأهداف المناخية الطموحة.

ورأى -أيده الله- أنه من هذا المنطلق، شجعت رئاسة المملكة إطار الاقتصاد الدائري للكربون التي يمكن من خلالها إدارة الانبعاثات بنحو شامل ومتكامل بهدف تخفيف حدة آثار التحديات المناخية، وجعل أنظمة الطاقة أنظف وأكثر استدامة، وتعزيز أمن واستقرار أسواق الطاقة، والوصول إليها.

وأعلن خادم الحرمين في كلمته بأن المملكة ستقوم بإطلاق البرنامج الوطني للاقتصاد الدائري للكربون لترسيخ وتسريع الجهود الحالية لتحقيق الاستدامة بأسلوب شامل، ودعا -أيده الله- الدول الأخرى للعمل معنا لتحقيق أهداف هذا البرنامج المتمثلة في التصدي للتغير المناخي مع الاستمرار في تنمية الاقتصاد وزيادة رفاه الإنسان.

إن من المبهج والداعي للفخر أن تشهد هذه القمة التاريخية هذا النجاح والأثر الإيجابي للتوصيات والأفكار المطروحة والحلول الناجعة التي من شأنها بث الطمأنينة والأمل في نفوس العالم بأسره سيما في ظرف تاريخي وإنساني بالغ التحدي والصعوبة في كوكبنا المغمور بالتحديات والمصاعب.