إن بيان هيئة كبار العلماء لم يخالف الحقيقة؛ فأولئك الماكرون - أعني الإخوان المفسدين - أنتجوا خطابًا ماكرًا مضللًا طوال سنوات الغفوة، فجمعوا الأموال وحشدوا الأنصار، وربوا الأتباع والمريدين، ونجحوا أيما نجاح في تنمية الثقافة الغوغائية التي تلغي دور العقل..

تكمن مشكلة دول المنطقة العربية في غياب الرؤية الاستراتيجية، حيث يُنظر إلى المشكلات في إطارها المحلي والآني، دون وعي بتداعياتها وآثارها الإقليمية والدولية والمستقبلية، وعندما تخرج تلك التداعيات والآثار على حدود السيطرة، تكون النتائج كارثية على الجميع! وهو ما ينطبق تمامًا على تعامل بلادنا وغيرها من البلاد العربية مع التنظيم الدولي للإخوان المفسدين. فلا يختلف اثنان على أن مشروع الإخوان مشروع تآمري وتوسعي يهدف إلى السيطرة على المنطقة بأكملها لتفتيتها، وقد كان ذلك هدفًا من أهداف حركة الإخوان منذ اليوم الأول لإنشائها، كذلك حزب العدالة والتنمية في تركيا، وحزب الشيطان اللبناني المندوب السامي للولي السفيه، والقاعدة.

وكانت هيئة كبار العلماء في بلادنا أصدرت الأسبوع الماضي بيانًا أكدت فيه أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية ولا تمثل منهج الإسلام، وإنما تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لهدي ديننا الحنيف، وتتستر بالدين. وتعليقًا على البيان، قال وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد: "حذرتُ من جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية منذ أكثر من عشرين عامًا خوفًا على ديننا وبلادنا ومواطنينا والمسلمين أجمعين".

وكانت بلادنا قد أدرجت في مارس 2014 جماعة الإخوان، إلى جانب تنظيمات القاعدة وحزب الله داخل المملكة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجماعة الحوثي وجبهة النصرة، في قائمة الإرهاب. وبعد ذلك التاريخ سارع الإخونج ومن يدين بعقيدتهم إلى شحذ سكاكينهم ضد بلادنا، فالذين يتباكون على الإخونج ويلوموننا إذا تعاملنا معهم بما يليق والجرم الذي ارتكبوه ويرتكبونه في حق بلادنا، يتجاهلون أنه لا بلدَ في الدنيا يقبل وجود جماعة لا تنفك عن بثّ سمومها في أرجائه، واستقطاب عدد كبير من أبنائه المغيبة عقولهم بسياط فقه التطرف الذي اقتحمنا ذات سعير صحوي، زاعمة أنها تمثل الإسلام والمسلمين، محاولة فرض نفسها قوة لا تقهر!

عصابة كهذه لا يصلح معها إلا منطق القوة، أمّا الذين يغمضون أعينهم - من إخونج الداخل ومنهم خلايا نائمة - عن إجرام الإخوان، فنقول لهم كفوا عن البكائيات واللطميات التي أدمنتموها، حتى بدوتم في صورة النائحات المستأجرات، إن ما تقوم به بلادنا حق مشروع! ولم يكن سهلاً القضاء على فكر التطرف والإرهاب إلا بالقضاء على رموزه التي زرعته في عقول الشباب والعملاء، لإثارة احتراب داخلي، لندخل بعده نفق حرب عبثية تأتي على الأخضر واليابس، وهو بالتأكيد ما سعى إليه الإخونج ودويلة قطر.

وما حدث بالأمس يحدث اليوم بعد صدور بيان هيئة كبار العلماء، فقد كان من الطبيعي أن يهاجمه علي القره داغي - هاتف العملة القطري - والذباب القطري، فلا ملامة على هؤلاء رعاة الإرهاب بمال الحمدين، لكني أعجب كثيرًا من أولئك الذين يجيزون الإرهاب والعبث في أمن الدول وتفكيكها لصالح أجندات مشبوهة، أولئك الذين يتداخل العنف في عقولهم مع ما يزعمونه من تمسك بقيم الدين على نحو غريب، فكيف ينسب داعية أو ناشط ديني نفسه للإسلام في الوقت الذي يتآمر فيه على وطنه كما يحدث في مصر منذ الإطاحة بحكم مرسي؟ وتآمر إخونج الداخل مع دويلة قطر على أمن بلادنا، أوَليس التحريض على الوطن وقادته فساداً حذر منه الإسلام الذي يزعمون الانتساب إليه؟

ويندرج في تآمرهم على الأوطان أنه كانت لهم طوال تاريخهم مواقف انتهازية، فقد سبق لهم أن وقفوا مع إيران ضد صدام حسين؛ لأنهم يرون أواصر الدين أقوى من أواصر العروبة، وأن الأممية الإسلامية أقوى من القومية العربية، ككل الإسلامويين الحركيين، كما وقفوا مع صدام ضد الكويت اعتراضًا على مشاركة القوات الأجنبية، وكان بعض رؤوسهم من عتاة إخونج وصحويي بلادنا - الذين كانوا في غيهم يرتعون - يغمضون أعينهم التي أعمتها الأموال، فلا يرون ما تفعله إيران من دعم للحوثيين بإرسال عتاد عسكري وصواريخ تُركب في ضاحية بيروت الجنوبية، ويُدربون عليها من قبل حزب الشيطان اللبناني، لقد استوطنت البغضاء في نفوس الإخونج ضد كل ما هو عربي لاسيما بلادنا، فلا عجب من دعمهم للخليفة العصملي الحالم بإعادة استعمار أجداده للبلاد العربية وفي مقدمتها بلادنا ليكمل ما بدأه أجداده من عمليات نهب وسلب للآثار النبوية.

لقد عمل أولئك المرتزقة دوماً بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة - فضلاً عن تنكرهم لبلادنا التي احتوتهم وبوأتهم مراكز مهمة في التعليم والمؤسسات الدينية، وجنست بعضهم، فلقينا منهم ما لقاه سنمار - وعن انتهازيتهم وتقلّبهم قال الأمير نايف - رحمه الله -: "عندما حصل غزو العراق للكويت، جاءنا علماء كثيرون على رأسهم الغنوشي والترابي والزنداني وأربكان وآخرون، فاجتمعوا بالملك وولي العهد وقلنا لهم: هل تقبلون غزو دولة لدولة؟ وهل الكويت تهدد العراق؟ قالوا نحن أتينا فقط لنسمع، ونأخذ الآراء، ثم ذهبوا للعراق، وفوجئنا بهم يصدرون بيانًا يؤيد الغزو العراقي للكويت".

ويؤكد انتهازيتهم تلك ما قاله سعود الناصر الصباح - رحمه الله - في مقابلة له في جريدة (الشرق الأوسط) وجه فيها نقدًا لاذعًا لبعض رموز الإخوان الكويتيين الذين سافروا إلى أميركا أثناء الاحتلال العراقي للكويت، وطلبوا لقاءه بصفته سفيرًا، بغرض إقناعه بعدم جواز الاستعانة بالأميركان لتحرير الكويت: "ولما سألتهم عن البديل، قالوا: قوات إسلامية، فابتسمت لهذا الهراء، وطلبوا إعطاءهم خمسين مليون دولار لتمويل حملتهم!" وأورد أسماء عدد من رموزهم في الخليج على رأسهم طارق السويدان.

ختامًا؛ إن بيان هيئة كبار العلماء لم يخالف الحقيقة؛ فأولئك الماكرون - أعني الإخوان المفسدين - أنتجوا خطابًا ماكرًا مضللًا طوال سنوات الغفوة، فجمعوا الأموال وحشدوا الأنصار، وربوا الأتباع والمريدين، ونجحوا أيما نجاح في تنمية الثقافة الغوغائية التي تلغي دور العقل، وتجعل المتلقي مجرد وعاء يسكب فيه الرؤساء ما يريدون من أفكار متطرفة، حتى ظهر في بلادنا بتأثيرهم فكر جديد تمثل في تسييس الدين، والتعصب الحزبي وهو ما سمح لهم بتحويل الاتجاه الديني البحت إلى منحنى أيديولوجي، سيطر على خطابهم وبرامجهم وآرائهم حتى الدينية منها.