التسامح قيمة روحية وأخلاقية، يبرز كمهارة من مهارات الحياة المهمّة، وصفة في المجتمعات المتحضرة التي لا يتقيّد فيها الإنسان بتقاليد، وعادات تحكم نظرته للآخرين؛ فيكون منفتحاً متقبلاً للناس على اختلافهم، وهو ما يؤدّي إلى التعايش السلميّ بين الفئات المختلفة في المجتمع، علماً أنّ التسامح يطبَّق على العديد من الجوانب، كالتسامح العرقيّ، والتسامح المهنيّ، والتسامح الدينيّ، وغيرها، ولا يعني التسامح القناعة التامّة بالمُعتقدات الخاصّة بالإنسان الآخر، ولكنّه مهارة تتطلّب عدم التعصُّب، أو العنصريّة، واحترام الاختلاف مع الآخرين، والتركيز على القواسم المشتركة بدلاً من التركيز على الاختلاف، بل والدفاع عن الآخرين إذا ما تعرّضوا لمضايقات؛ بسبب اختلافهم.

قاموس أكسفورد الإنجليزي عرف التسامح بأنّه: العمل، أو الممارسة المتمثلة بتحمُّل الألم، أو المَشقّة. ويعرف أيضاً بأنّه: القوّة، أو المقدرة على التحمُّل. وتجدر الإشارة إلى أنّه يمكن الوصول إلى العديد من التعريفات التي توضح معنى التسامح؛ فهو أحد أكثر المفاهيم المتنازع عليها في البحث العلمي الاجتماعيّ؛ فكلمة تسامح تعني: الانفتاح على التنوُّع، والتعدُّد بمختلف أشكاله. وهي تعني في الأدب الفلسفي أنّها: ردّ فعل الإنسان تجاه شيء يرى أنّه صعب، أو إشكالي بالنسبة إلى ما يعتنقه، ويعرفه، كالأفكار، والآراء، والأشخاص، والمجموعات، والقيم، والسلوكيات المتعلقة بهم، وهو يظهر على شكل القبول.

يبنى التسامح على عدّة مبادئ تؤكد ضرورة عدم التصرف بناء على رفض تصرف، أو معتقد من قِبل شخص، وفي الوقت نفسه عدم التأثير في الأفكار، والمبادئ الخاصّة، ومن المبادئ التي تتعلّق بالتسامح: الحكم بموضوعيّة؛ فينبغي أن يحاول الشخص تفهُّم الآخرين بشكل غير انحيازي أو تعصُّبي. ومن مبادئ التسامح العقلانيّة: قد لا يقتنع شخص ما بوجهة نظر الآخرين الذين يختلفون عنه، ممّا يبرّر له معارضتهم، بشرط ألّا تكون هذه المعارضة مجبولة على الكراهية. ومن المبادئ التسامح بقناعة: قد يظهر البعض تسامحهم تجاه الآخرين عن غير قناعة؛ إذ إنّهم قد يتسامحون معهم لأنّ الآخرين في موضع قوّة لا يمكن معارضته، أو تجنُّباً للمشكلات، أو رغبةً بأن يُقال عنه إنّه شخص متسامح، وذلكَ لا يُعتبر شخصاً متسامحاً؛ فالتسامح الحقيقيّ هو قناعة الشخص بضرورة عدم التصرف بناء على معارضته آراءَ الآخرين.

للتسامح أثر طيّب في حياة المجتمع؛ فالأشخاص الذين يُبدون التسامح تجاه الآخرين من المحتمل أن يصبح حالهم أفضل من الأشخاص الأقلّ تسامُحاً، ومن الناحية الاجتماعيّة يساهم التسامح في تقليل نسبة التنمُّر، وخاصّةً لدى الأطفال، ويُعتبَر واجباً أخلاقيّاً تجاه الآخرين، ممّا يعزز احترام الشخص لذاته قبل احترامه للآخرين. وله أهميّة كبيرة في حفظ حقوق الإنسان، وتحقيق السلام، والحدّ من العنف، والنزاعات، والحروب.

التسامح خُلق موجود عبر التاريخ، وعبر مختلف الحضارات، والدول، والأمم، وفي العصر الحديث أقرّه فلاسفة مثل: جون لوك، وجون ستيوارت مل، وجون رولس، وهو خلق لا بد من اتّخاذه كبُنية أساسيّة في سياسات البشر، وتطلُّعاتهم، وتنمية القيم، والفضائل لديهم بغضّ النظر عن انتماءاتهم؛ وذلك بهدف بناء عالَم سعيد، وجديد تسوده روابط الألفة والمحبة.