كانت حركة الحرف والفنون تهيمن على العمل المهني المعماري في أوروبا بقيادة "وليام موريس"، لكن مع نهاية القرن كانت بوادر الحداثة المعمارية تطل برأسها بقوة نتيجة ظهور العمل المهني المنظم الذي صار يربط المعماريين ببعضهم ويوحد توجهاتهم ويجعل منهم قوة مؤثرة في المجتمع..

كنت أبحث عن مرجع يبين لي كيف تحول المعماري من مجرد حرفي إلى أن أصبح مهنيا يعمل وفق قواعد مهنية واضحة وبأجر واضح. لم أكن أتصور كل هذه المثابرة التي قام بها المعماري حتى استطاع أن يضع لنفسه موطئ قدم وفي وقت مبكر نسبيا. الغريب أن المتعارف عليه هو أن العمارة أول مهنة في التاريخ لكن المعماري لم يستطع أن يكون أول مهني في التاريخ. بعد بحث طويل وقع في يدي كتاب صغير عنوانه "المعماري" The Architect كتبه أحد نقاد العمارة المهمين يدعى "سبيرو كوستوف" والكتاب عبارة عن فصول في تاريخ مهنة العمارة، وأكثر ما يثير في هذا الكتاب الصغير في حجمه الكبير في تأثيره أنه يسجل تحولات تاريخية مهمة جدا في مهنة العمارة.

ولكن قبل أن أتحدث عن تلك الوقفات المهمة أحتاج أن أفرق بين الحرفة والمهنة وكيف تطورت المجتمعات البشرية من مجتمعات حرفية إلى مجتمعات مهنية منظمة. التحول الرئيس ارتبط بظهور المهني كفرد له قيمة اجتماعية ويتم احتساب عمله بمقابل مادي منتظم وشبه متعارف عليه. الحرفي، في المقابل، غالبا ما يكون ضمن العمل الجماعي الإنتاجي حتى لو كان ماهرا في حرفته فهو جزء من مجموعة داخل منظومة كبيرة، بينما المهنيون هم من يحركون المنظومة ويصنعون الجانب الإبداعي المتطور فيها. يبدو أن هذا التحول استغرق وقتا طويلا كي يحدث خصوصا في حالة العمارة فقبل عصر النهضة يندر ذكر أسماء معماريين مهنيين، إذا ما استثنينا المعمار الروماني فتروفيوس وثلة قليلة من معاصريه أو ممن سبقوه.

أحد الوقفات المهمة في كتاب "كوستوف" هي تطور الجمعيات والنقابات المهنية ففي منتصف القرن الثامن عشر وربما قبل ذلك كانت نقابة الفنانين هي المؤسسة المهنية الأم التي ينتمي لها المعماريون بل وحتى الأطباء والتجار ويبدو أن مفهوم المهنة المقننة التي تجمع مجموعة من أصحاب المصالح المشتركة بدأت تتطور منذ عصر النهضة في إيطاليا. هذه المسألة استوقفتني عند مسمى "شاه بندر التجار" الذي يوحي بوجود رابطة للتجار في ثقافتنا العربية كما كان هناك كبير الصاغة وغيره من رؤساء للحرف لكن لم تتطور هذه التجمعات إلى مؤسسات مهنية منظمة أبدا ولا يوجد مسار زمني تطوري لتلك التجمعات مما جعلها ساكنة زمنيا ولم تستطع أن ترتقي بالمرتبطين بها وتطورهم مهنيا.

نقابة الفنانين في أوروبا تبعها نقابة للنحاتين وبدا عصر التخصص المهني هذا أدى إلى ظهور أهم مؤسستين مهنيتين في العمارة في وقتنا المعاصر وذلك في منتصف القرن التاسع عشر تقريبا. الأولى هي "المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين" RIBA والثاني المعهد الأميركي للمعماريين AIA. في ذلك الوقت كانت حركة الحرف والفنون تهيمن على العمل المهني المعماري في أوروبا بقيادة "وليام موريس"، لكن مع نهاية القرن كانت بوادر الحداثة المعمارية تطل برأسها بقوة نتيجة ظهور العمل المهني المنظم الذي صار يربط المعماريين ببعضهم ويوحد توجهاتهم ويجعل منهم قوة مؤثرة في المجتمع.

ما يؤكد عليه "كوستوف" في كتابه أن المعماري عمل طوال قرون لإثبات وجوده كفرد مستقل له خصوصيته الإبداعية وبدأ يشعر بأهمية العمل المؤسسي المهني المنظم في وقت مبكر وتحتاج إلى أكثر من ثلاثة قرون منذ بدأ يعي بكينونته المهنية إلى أن يضع اللبنات الاولى للعمل المهني المؤسسي ومنها انطلق كي يصنع عمارة اليوم بطرازها الكوني الذي هيمنت على مدن العالم. الغريب هو أننا في المملكة، حتى هذه اللحظة، لم نستطع أن ننتقل إلى العمل المهني المنظم المستقل والمتخصص في مجال العمارة وما زلنا نعمل تحت مظلة هيئة المهندسين ومازال المعماري السعودي لا يشعر بقيمته الفردية كمهني له خصوصيته الإبداعية. هذه الإشكالية المهنية التي تخلط بين التخصصات لا تتوافق مع حالة التحول الكبيرة التي يعيشها المجتمع السعودي.

لعل الوقفة الأخيرة التي لفتت انتباهي في كتاب "كوستوف" هو إثارته لمسألة التكامل المهني بين أقطاب الإبداع فهو يتحدث عن تطور مهنة العمارة بمساندة الفنانين والنحاتين والمصنعين والنقاد خصوصا في القرن التاسع عشر ويؤكد أنه لولا هذا التكامل لما تشكلت لبنة الحداثة التي نعيشها اليوم. هذا الكتاب يثير مسألة مهمة نحن بحاجة لها في المملكة وهي أن اي تطور مهني حقيقي يتطلب وجود مؤسسات مهنية تنظم المهنة وتدافع عن حقوق المهنيين وتركز على البارزين منهم وتقدمهم للعالم. هذا العمل المؤسسي هو ما نحتاجه بشدة في الوقت الراهن فلم يعد العالم يعتد بمجتمعات الحرفة لأنها تحولت إلى مجتمعات مهنية تدمج الحرفة داخل العمل المهني المتكامل.