أشعر أن الإنسان يعيش طفرة جديدة، فكما أن مرحلة تطور الكتابة صنعت حضارة إنسانية قائمة على التراكم المعرفي الذي أتاحه التدوين، يبدو أن البشرية في طريقها للانتقال إلى مرحلة السيولة المعرفية القائمة على التواصل البصري..

قبل عدة سنوات كنت أكثر جرأة في طرح آرائي المكتوبة من اليوم، ليس لأن الرقيب أصبح أكثر تشدداً، بل ربما لأنني أصبحت أكثر تردداً أو لا مبالياً بطرح آراء قد تثير البعض وتجعلهم يتخذون موقفاً سلبياً من شخصي، لأقل: إنني أصبحت أكثر انتباهاً لما يتقاطع مع مصالحي الخاصة أكثر من السابق، قد يثير هذا الاعتراف البعض، فكثير من الأصدقاء يرون أنه بتقدم العمر يصبح الإنسان أكثر جرأة وأقل تردداً في علاقاته وآرائه، فلماذا يحدث معي العكس؟

عندما كنت شاباً كنت أشعر أني قادر على مواجهة الآخرين، وربما كان عندي طول نفس وشعور أني أستطيع إحداث تغيير مع حماس منقطع النظير للأفكار التي كنت أؤمن بها، وكنت أجد نفسي مندفعاً في طرحها صراحة ولا يوقفها إلا الرقيب، أما الآن وبعد مرور ربع قرن لا أجد ذلك الاندفاع ولا حتى الإيمان بأن الأفكار يمكن أن تغير الناس.

دعوني أقول: إن التأثير الذي كانت تحدثه الكتابة في الصحافة تقلص بشكل كبير، بل إن الحابل اختلط بالنابل، ولم يعد هناك ذلك القارئ الذي يفاجئك بنقده وبتعليقاته العميقة، قد لا تجعل هذه الظاهرة الآخذة في التمدد الكاتب أقل جرأة لكنها بكل تأكيد تفقده حماسه، فأحد الأسس التي تجعل أي إنسان يثابر في أي عمل هو يقينه بأن هذا العمل مجد ومؤثر ويفيد الناس، فما بالكم إذا كان هذا العمل هو "الكتابة" بكل ما تحمله من رسالة للمعاني الحافظة للثقافة، هذا الشعور عمقه رأي الفيلسوف الفرنسي "جاك داريدا" (رائد المدرسة التفكيكية) في "الكلام" و "الكتابة"، فهو يرى أن الإمعان في إعطاء الكتابة فوقية ثقافية هو نوع من الوهم، فالأصل هو الكلام وليس الكتابة، وأن الثقافة الإنسانية نمت وتطورت عبر الكلام.

"داريدا" كان ينتقد بقسوة "البنيوية" وروادها خصوصاً "ديفد ليفي شتراوس" و "رولان بارت"، وكان يرى الاعتقاد بإن الشعوب التي طورت الكتابة أرقى من تلك التي لم تتطور لديها الكتابة نوعاً من العنصرية العابثة بجوهر الإنسان الحقيقي، صرت أسأل نفسي: هل "داريدا" على حق؟ فهو يعود ويقول: إن الرموز التي طورتها كثير من المجتمعات البدائية هي في جوهرها نوع من الكتابة، وكان أفراد تلك المجتمعات يتواصلون مع بعضهم من خلالها وليس ذنبهم أننا لم نفهم لغتهم، الإنسان الأول بدأ لغته المكتوبة بالرسومات، ويبدو أن إنسان المستقبل قد يتملص من اللغة المكتوبة إلى اللغة المرسومة أو المصورة، بالنسبة لي كنت أستهجن عبارة "الصورة تغني عن ألف كلمة"، وذلك عندما كنت متحمساً لفعل الكتابة، وكنت أرى أن مثل هذه العبارات سوف تؤدي في يوم من الأيام إلى تراجع الثقافة الإنسانية.

ويبدو أنني كنت أعيش داخل الصورة الذهنية التي شكلتها لنفسي، ولم أتنبه إلى التحولات الكبرى التي تعيشها الحضارة الإنسانية في الفترة الأخيرة، التي تتطلب الكثير من فك الرموز البصرية والتعامل بلغة عالمية يمكن فهمها من الجميع، أنا لا أقول هنا: إن اللغات الكبرى الحية سوف تندثر، لكنني أشعر أنها سوف تتحول في جوهرها إلى لغات مرئية ومختزلة شبه رمزية مع تطور التقنية، كما أن الكتابة نفسها لن تستمر كأداة لنقل الأفكار والنقد وابتكار النصوص المبدعة، فلم يعد لدى كثير من الناس الوقت للتوقف عند فك الرموز المكتوبة، فهم سيتعودون على التعامل مع الرموز المرئية الأقل تعقيداً، والتي لا تفرق بين المستويات الثقافية للأفراد، لم تعد المهارات المطلوبة مرتبطة بالمقدرة اللغوية بقدر ما أصبحت حزمة من الأفعال المرتبطة بإنجاز الأعمال.

أشعر أن الإنسان يعيش طفرة جديدة، فكما أن مرحلة تطور الكتابة صنعت حضارة إنسانية قائمة على التراكم المعرفي الذي أتاحه التدوين، يبدو أن البشرية في طريقها للانتقال إلى مرحلة السيولة المعرفية القائمة على التواصل البصري، كما أن العولمة التي ما زالت تهدم الثقافات المحلية بهدوء فيه إصرار واضح، سوف تولد هذه اللغة البصرية التي لا تتطلب جهداً كبيراً في تعلمها واستخدامها، الطبيعة البشرية تحث على مثل هذا التطور المنطقي، ودور الكتابة في تغيير أفكار المجتمعات لم يعد مهماً في الواقع، لذلك، فليعذرني البعض عندما أصل إلى الشعور بفقدان القيمة التي كانت تجعل من التفرغ لكتابة مقال فعلاً مقدساً يستحق الاهتمام، ربما نعيش مرحلة متقدمة لحالة الصراع بين اللغة المكتوبة واللغة المرئية، وهو صراع سيكون في صالح المرئي والمشاهد، ليعيد الحضارة الإنسانية إلى ثقافة الكلام المصور وليس المكتوب.