عكست النتائج الفعلية لأداء الميزانية حتى الربع الثالث من السنة المالية (2020)، تأثير فيروس كورونا (كوفيد -19) على جانبي الإيرادات والمصروفات وعلى الأداء المالي العام للدولة، بما في ذلك على السياسات المالية والنقدية التي اتخذتها الدولة للتقليل من آثار الفيروس على أداء الاقتصاد الكلي والجزئي.

تأثير انخفاض أسعار النفط على جانب الإيرادات النفطية لا يزال واضحاً على النتائج المالية للميزانية رغم تحسن أسعار النفط العالمية خلال الربع الثالث من العام الجاري التي ارتفعت بنسبة 55% مقارنة بالربع الثاني ليبلغ متوسط سعر خام برنت 43 دولاراً للبرميل، ولكن رغم ذلك انخفضت الإيرادات الفعلية المتحققة خلال التسعة أشهر من العام الحالي بنسبة 24% مقارنة بما كانت عليه لنفس الفترة من العام الماضي لتبلغ 713.3 مليار ريال، رغم رفع ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15% ابتداءً من شهر يوليو وكذلـك الزيـادة فـي الرسـوم الجمركيـة لعـدد مـن السـلع التـي بـدأ تطبيقهـا فـي شهر يونيـو مـن العـام الجاري، حيث ارتفعت الضرائب على السلع والخدمات على سبيل المثال، التي من بينها القيمة المضافة والضريبة الانتقائية في الربع الثالث من العام بنسبة 79.5% مقارنة بما كانت عليه بالربع الثاني لتبلغ 51.6 مليار ريال، بزيادة على أساس سنوي بلغت 37% مقارنة مع نفس الفترة من عام 2019. 

رغم الانخفاض الطفيف في حجم المصروفات الفعلية حتى الربع الثالث للعام الجاري بنسبة 3% مقارنة بما كانت عليه لنفس الفترة من العام الماضي والتي بلغت 751.2 مليار ريال، إلا أن ذلك الانخفاض إلى جانب التحسن الملحوظ في الإيرادات بالربع الثالث مقارنة بالربع الثاني التي بلغت قرابة 216 مليار ريال مقارنة بنحو 134 مليار ريال، بارتفاع وقدره 61%، ساهم إلى حد كبير في انخفاض عجز الميزانية للربع الثالث من العام الجاري ليبلغ 40.8 مليار ريال مقارنة بما كان عليه في الربع الثاني والذي بلغ 109.2 مليار ريال، ليصل إجمالي العجز بنهاية الربع الثالث من العام إلى 184.1 مليار ريال.

تمويل عجز الميزانية، اعتمد على أربعة مصادر تمويل رئيسة (الحساب الجاري، الاحتياطيات الحكومية، الدين الداخلي والدين الخارجي)، بمبالغ بلغت 9 و 50 و 83 و 44.6 مليار ريال على التوالي، ليصل إجمالي التمويل إلى 186.7 مليار ريال لكامل الفترة.

دون أدنى شك أن التناغم الواضح بين أدوات السياسة المالية والنقدية المستخدمة في مكافحة فيروس كورونا والتقليل من آثاره السلبية على الأداء العام للاقتصاد، ساهم بشكلٍ كبير في الرفع من كفاءة الانفاق وفي نفس الوقت في الحد من انخفاض الإيرادات بشكلٍ أكبر مما هو عليه واقع الحال، سيما في ظل الانخفاض الحاد الذي شهدته أسعار خام برنت، التي انخفضت خلال العام الحالي بأكثر من 340% لتنخفض من 63.8 دولارا للبرميل في شهر يناير إلى حوالي 18.4 دولار للبرميل في شهر إبريل الماضي والذي تزامن مع تراجع إنتاج المملكة للنفط بمقدار 511 ألف برميل (يومياً)، بسبب التزام المملكة باتفاقيات الإنتاج، حيث قد بلغ متوسط إنتاج النفط الخام للمملكة منذ بداية العام 2020 حتى نهاية شهر أغسطس 9.33 ملايين برميل (يومياً) بنسبة انخفاض بلغت 5.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

توقعاتي أن النتائج المالية للربع الرابع من العام الجاري ستكون أفضل من نتائج الأرباع السابقة، وبالذات نتائج الربع الثاني، وذلك في حال استمرار اتباع الحكومة لسياسات الرفع من كفاءة الانفاق ومحافظة أسعار النفط العالمية لبقية العام على مستويات تتراوح ما بين 40 و 45 دولارا للبرميل، هذا بالإضافة إلى التحسن المتوقع في العوائد غير النفطية، مثل ضريبة القيمة المضافة والانتقائية، والرسـوم الجمركيـة وغيرها، وأيضاً عدم دخول الاقتصاد العالمي لا سمح الله في دوامة مرحلة ثانية من فيروس كوفيد -19. برأيي أيضاً أن عجز الميزانية سينحصر في مستويات أقل من 40 مليار ريال للربع الرابع ليسجل عجز الميزانية بنهاية العام مبلغ بحدود 220 مليار ريال، وبنسبة 8.8% من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي المتوقع في 2020 وفقاً للبيان التمهيدي للميزانية العامة للدولة 2021.