«الفن الأصيل شجاع وعنيد لأنه يستطيع وحده أن يقتحم الخلود، ويتحدى الزمن، والفن الزائف قد ينتفض ويزدهر يوماً أو عاماً، ولكنه لا يلبث أن يهمد ويذوي».

(كاف/ شين)


عندما صدر ديوان (لا تكذبي) 1963 للشاعر كامل الشناوي كان محط أنظار أهل الأدب والفن في العالم العربي، فتناوله الكاتبون من مستويات مختلفة (بزفة فرح) لأن هذا الشاعر الذي خدم الأدب برعايته المواهب المستجدة منذ أن تولى التحرير الثقافي في مطبوعات مهمة منها جرائد ومجلات لها حضورها في كافة العالم العربي، فكان مع الموهوبين شعراً وأدباً وفناً، يمهد لهم الطريق التي تمكنهم من مواصلة تنمية عطاءاتهم التي يتقنونها، وقد اعترف الكثيرون بما قدمه لهم أستاذهم (كامل الشناوي)، منهم من غادر الحياة، ومنهم من هو في مرحلة متقدمة من العمر، فـ(محمود رضوان) أصدر عنه كتابا شاملا مستقلا بعنوان: (كامل الشناوي شاعر الحب والحرية/ حياته وشعره) 2011، وجمع الأستاذ (رجائي عطية) حلقات قصة حياة الشناوي التي كتبت للإذاعة -صوت العرب- أذيعت على ثلاثين حلقة، وأصدرها في كتاب 2014 حيث ذكر «ظلت في إرشيفي الأصول الخطية لهذا العمل الضافي عن شاعرنا الكبير أكثر من عشرين عاما، منذ رحيل مؤلفها الإذاعي (سعد زغلول نصار) وقد كان سعد كتب وأخرج للإذاعة تمثيلية في ثلاثين حلقة عن الشاعر، وجدت من واجبي وفاء بحق الشاعر الكبير الذي تتعطش المكتبة العربية لمؤلف يشفي الغليل عنه أن أقدمها للمطبعة لتنقل من صفحات الآذان التي تلقتها من نحو ثلاثين عاما إلى صفحات كتاب يكون في متناول القارئ حين يشاء ليشبع من سيرة هذا الشاعر والأديب العظيم المبدع الذي ملأ الدنيا وشغل الناس»، ولمكانة الشاعر المرموقة في نفوس الناس وحبهم له ما جعله حاضرا بعد وفاته التي كانت قبل أربعة عقود ونصف؛ إذ لا يمر وقت حتى يصدر عنه كتاب أو بحث أومقالة، وفي عامنا هذا 2020 صدر كتاب (يوميات كامل الشناوي) للباحثة رحاب خالد، جاء في (550) صفحة من الحجم الكبير، في هذا دليل قيمة الشاعر الأدبية عند المتلقين المهتمين بالأدب والفن نظرا لما لمس في كتاباته من مصداقية وحب لفنه الذي نذر نفسه له وضحى بالكثير من أجله -بشهادة فاطمة/ روز اليوسف- حيث أشارت في مواضع كثيره من ذكراياتها عنه في كتابها (ذكريات فاطمة اليوسف). ورحاب صاحبة الكتاب الجديد تمهد: «بدأت قصتي مع هذا الكتاب بعدما انتهيت من مطالعة كتاب آخر لكامل الشناوي هو -ساعات- إذ بعد قراءة خواطره البديعة الذكية، لم يكن التوقف ممكنا، كنت أريد المزيد من هذا الذي يقول في إحدى خواطره: تمهلي أيتها الأيام، لا تدفعيني في طرقك بهذه السرعة المجنونة، إنني لا أجري ولا أمشي، ولكني أحفر بخطوي القبر الذي سيضمني بعدما أتحول إلى رفات، إنني لا أكره الموت، ولكني أكره أن أتولى بنفسي قتل نفسي وأضع جثماني في نعش أحمله على كتفي وأمشي وراءه».

وكانت رحاب قد تنقلت بين مخازن ومستودعات وأرشيف كل جريدة أومجلة عمل بها، ثم اختارت باب (يوميات) الذي كان يحبذ أن يكتب تحت هذا العنوان في أي مكان يكون عمله فيه، حيث كان خلال 1946 - 1948 في مجلة آخر ساعة، ومن 1953 - 1959 في الأخبار/ الجمهورية، ومن 1960 - 1965 الجمهورية. واليوميات التي جمعت حسب ترتيب أوقات نشرها في الجرائد لم تتضمن التحقيقات والحوارات التي كان قد أجرها مع شخصيات لها مكانتها السياسية والفكرية، ولكن كانت موضوعات تتوجه إلى المجتمع من القاعدة للقمة، وأوسعها مساحة ما يدور حول الفن والأدب، وأطراف من السياسة لكونه يرى نفسه في الأدب والفن والتركيز على الحب، حب الإنسان في قلب عاشق استمر طول حياته عاشقاً معبراً عن ذلك بقصائد جمعت في ديوانه (لا تكذبي) وخواطر في كتابه (ساعات) وكان يُجْبَر من قبل محبيه لينشر كتباً لم يظهر منها إلا أقل من قليل فاقه عددا ما كتب عنه الآخرون، وما زالت الكتب تتوالى عنه بين وقت وآخر.

أحب كتبه إليه (اعترافات أبو نواس) وكان يقرأ ويبحث في القديم والجديد عن (الحسن بن هاني) الشاعر الذي يقول عنه إنه الشاعر الذي صدق مع نفسه ومع فنه، وأنه من نقل الشعر إلى التجديد عن طريق الدخول مباشرة في موضوع القصيدة دون مقدمة الطلل والتقليدية، وإعطاء نفسه الحرية في التعبير عما يجول في خاطره دون تردد، فهو شاعر يعبر بحرية ويعني حرية الفنان كما الطائر يحلق ويحط ويتجول في الموضوعات التي تروق له، وكان أن كتب ما يشبه الاستجواب في كتيب صغير الحجم كثيف المعنى (اعترافات أبو نواس) قدمه بـ (ليالي أبو نواس مع أستاذه الأول/ الذي علمه الشعر.. والمجون) «أبو نواس الشاعر الساحر العربيد أو ابن هانئ، كان جنديا ثم اشتغل بحياكة الملابس، ورعى الغنم، وأمه -جلبان- امرأة لعوب، سلبت لب والده وتزوجته، فلما مات أحبت فتى اسمه العباس، وجعلته زوجا لها، وكانت صناعته الوحيدة أنه زوج أم أبي نواس!.