كان يحدثني مستمتعاً بتجربته الحافلة والطويلة بقائمة من الأصدقاء والعلاقات المتلونة؛ أصغيتُ إليه أكثر عندما أخذ يستثني ويستدرك منتهياً إلى أن الصداقة والأصدقاء، تجربة جميلة لكن عوائدها وفوائدها أقل مما يُتصوّر؛ أخذتُ أبيّن له بأنه ربما لم يكن يعرف جيداً الفارق بين الصاحب والصديق والزميل والرفيق، حتى أطرق وقال: «الأصدقاء قلة، والأصحاب كثير»؛ وقتها لا أدري لماذا ربطتُ فلسفته بقول ابن الرومي:

عدوّك من صديقكَ مستفادٌ

فلا تستكثرنَّ من الصِّحَابِ

فدعْ عنكَ الكثيرَ فكم كثيرٍ

يُعُافُ وكم قليلٍ مُستَطَابِ

ولا أدري لماذا اتجهتُ إلى تلك النبرة الحزينة في هذه القصيدة العامية: «حولي كثير أحباب، ما كنّهم حولي».

وقد دعاني هذا المعنى مجدداً إلى تأمل معاني الصداقة، وملامح الأصدقاء، وبخاصة لما رأيتُ أحد أساتيذي يكتب بشكل عميق حول هذا الموضوع، حيث يقول: «لو شئتُ أن أحدثكَ عن ضروبِ الأصدقاء لامتدّ بي نَفَسُ القول، واطّردت لي مسالك التصنيف، غير أني أوجز الصداقة بأنها: علاقة الأرواح لا صلة الأجساد؛ ولأن الروح شفيفة غامضة، كان الصديق الحق شفيفاً غامضاً؛ لا تدري لماذا ارتضيته، ولا يدري هو لِمَ ارتضاك؟! الأرواح جنود مجنّدة».

وأجمل أنواع الصداقة حين تنبعث من جانب علمي أو أدبي أو فني أو تتكئ على زمنٍ طويل من العلاقة والود والنقاء، وأجمل من ذلك أن تكون الصداقة خليطاً من ذلك كله؛ فيتبادل الأصدقاء المعرفة أو الأدب أو الفن، وتكون صداقتهم قد اختمرت بطول المدة وكثرة التعامل وتنوّع التجارب، وهناك أمارات تظهر من خلالها نماذج من تلك العلاقات، وبخاصة في الأدب الرسائلي المعتمد على التبادل، والقائم على التواصل.

إن الصديق أحياناً نعمة كبيرة من نعم الله في هذه الحياة؛ ولا سيما إذا كان يشعر بقربك ويحس بكربك ويقف إلى جوارك ويخوض معك كل غمارك، يأخذ بيدك إذا تعثّرت، ويسليك إذا توجّعت؛ ويفرح معك إذا استبشرت، ويحزن لحزنك إذا حزنت، وتضيق به الأرض إذا ضقت؛ ولعمري فإن هذا الصديق الذي لا يمكن أن تجده إلا نادراً؛ لهو دليل على سعادة الإنسان ومحبته وقيمته؛ لهذا نهى الشاعر ابن الرومي عن الإكثار من الأصحاب؛ وأعتقد أن سبب ذلك يعود إلى عدم الحصول على صديق جيد بهذه المواصفات الدقيقة والصعبة.

على أن قوانين الصداقة الجميلة قد تكون مضطربة ومتقلبة أحياناً؛ إذ ربما كانت الصداقة ممتدة ردحاً من الزمن، لكن الأصدقاء باتوا كأثاث بيتٍ مهجور، أو غرف منزلٍ خرب؛ لا ترى إلا آثارهم وأطلالهم؛ أما هم فقد غرقوا في هذه الحياة، حتى صار أكبر ودّهم أن يمرّ أحدهم بالآخر فيُلقي عليه السلام، فلا أرانا الله مثل هذه الأشكال، ولا صيّرنا إليها، وجعلنا دائماً أصدقاء متحابين مخلصين كالبساتين النضرة ذات الورود اليانعة التي لا تذبل مع الأيام.