لا ينشأ الإرهاب أو التطرف في فراغ، فلا بد من ظروف وملابسات تولد هذه النزعات الشريرة، وهنا ليس بوسعنا فصل خطاب الكراهية وازدراء الأديان أو المعتقدات عن قائمة الظروف المخلقة للتطرف بأشكاله، ويصبح جلياً في هذه الحالة أن حرية التعبير المزعومة التي لا تسفر إلا عن تغذية مشاعر الكراهية والانغلاق، ليست بمنأى عن تجريم القانون الذي تحتمي به أساساً.

حملة مهاجمة الإسلام لا تقع فقط في جرم التعميم الذي يجافي الموضوعية والمنطق، بل إن حاملي لوائها يستوون في درجة واحدة مع منظري الإرهاب كونهم يشاركونهم خطابهم الانعزالي ويزودون دعاة التعصب بأمثلة لدعم رؤاهم المتعصبة وتبرير جرائمهم التي لا يمكن تبريرها إلا لدى الجهلة والمتعصبين، وبهذا المعيار فإن الحديث عن حماية حرية التعبير يبدو متهافتاً، ومنفصلاً عن الواقع، كما ومناقضاً للقوانين الدولية التي تحظر أي دعوة للكراهية، أو العنصرية، فضلا عن أن هذه الحجة ذاتها (أي حرية التعبير) يعتري تفسيرها كثير من اللبس والغموض، ويتضح ذلك حين تمس تابوهات غربية محددة، حينئذ تتهاوى كل هذه السرديات عن حق التعبير، ويزج بمنتهك هذه التابوهات في زاوية التجريم والعزل، بل والحصار الثقافي والفكري، ولنا في ذلك أمثلة لا تحصى.

يواجه العالم برمته خطر الإرهاب، بمن فيهم المسلمون ذاتهم، وفيما تخوض كثير من الدول الإسلامية وفي مقدمتها المملكة حرباً ميدانية وفكرية ضد الخطاب المتطرف، وتسعى لتجفيف البيئات التي ينمو فيها التعصب، ينبري البعض لازدراء معتقدات مليار ونصف المليار إنسان، وينساق وراء خطاب تعميمي وعنصري مقيت، لا يفعل شيئاً إلا أنه يمنح المتطرفين - كما ذكر بيان هيئة كبار العلماء - خدمة مجانية، للعب على المشاعر الدينية، واستقطاب مزيد من الإرهابيين، في سلوك مناهض لشريعة الإسلام والنهج الإسلامي الداعي للإعراض عن الجاهلين، مما يجعلنا مرة أخرى في دائرة جهنمية من الإرهاب وخطاب الكراهية الذي يتغذى كل منهما على الآخر، وهي دائرة مقيتة يخسر فيها الجميع للأسف.