تمضى كما تمضي الأغنيات الخالدة لتبقى.. تمضى أيها الزيد النبيل فجأة ثم لا تعدنا الأيام بقصيدة أخرى تتسع بها إنسانيتنا حين تضيق بنا الحياة..

تمضى أيها الصديق إلى حيث لا ألقاك مجددا.. آخر عهدي بك دعوة تلقيتها منك واستجابة عاقة لها تكاد اليوم تعصر قلبي أسى... ياااه يا أستاذنا الجليل كم تشمت بي حسرتي اليوم حينما أقف هنا مؤبنا في طابور المؤبنين.. لأصرخ وحدي نعم فيه كل ما تقولون وإني معكم، لكن له عندي دين وفاء كلما استعدت سيرتي معه تحت حطام فقده.. هكذا هكذا أسرد لروحي تاريخي معك يا صديقي الراحل فلا ألقاك فيه إلا الواهب دون منّة، والمؤازر دون استنجاد، والآخذ بروحي لا يدي إلى حيثما يحسن ظنك بي..

لن أقول اليوم ما عرفته عنك بل ما وجدته منك معلما متواضعا.. وصديقا من فئة الشعر الذي صادقته حتى صدَقك فصدَّقناه بك.. أعلم أن لك عند كل واحد ممن لامسته روحك المباركة سيرة خاصة، فقد عشت فينا زمنا من الإنسانية، وتاريخا من السخاء، ولهذا لا أدعي خاصةً بك حين أردد ما يعرفونه عنك، لكنني أناجي روحي بذكراك.. وأبقيها في ربيع زمنك، قبل أن تداهمها جفاف الفقد في الأيام القادمة...

كم والله يؤلمني غيابك حين أقف فيه هنا بعدك، ثم لا أتلقى تعليقك عليه، وقد انحزت لكل جميل أقنعتني به دائما أينما يكون تتلقفه روحك الجميلة ليليق بها...

ربما أشعر الآن بربكة الفراغ حين يمر اسمك بسطر دون أن تلوّح له روحك البيضاء.. ربما تقصر الكلمات اليوم في ظلال قامتك.. لكنك صديق العثرات الوفي حيا وميتا.. فارحل بسلام.. بسلامٍ يا صديقي.. ولنا الحزن بعدك ..!

فاصلة :

الموت هذا الغامض الكونيّ هذا الرابض الساديُّ في ظلي

تقزّز منه أطفال الحنين.. وعاهدته الناسُ في سلَف القرى حزني...

أمرُّ ببابه الحجريّ يدخلني إليه فلا أعود..!

كانت رمال الله قبل مجيئه الأنهار والأشجار..

كانت لا تقايضنا الملوحة بانهمار الماء

كنا لم نضع في معجم الأسماء تفسير الوجود..!

الموت آخرة الخلود..!