«من يعاشرني؟ / من يفاتحني؟/ أنت؟-لا/ أنت؟-لا.

أنت؟-لا/ أنت؟-مات السؤال..»

(ع/ الزيد)


عندما تفقد عزيزاً على قلبك كان بالنسبة لك أخاً وصديقاً، وفاعلاً في الحياة المشتركة بينكما في دائرة الساحة الإبداعية، تحس بأن حلقة من الحلقات التي تشكل الدائرة التي يربطها ببعضها ما كان من نتاج مشترك في مسيرة العطاء في المجال الذي يتمثل في الكتابة المعبرة عن كينونة كل واحد من المتماثلين، فيكون إحساسك بالفراغ الذي أحدث فجوة في الدائرة الشاملة المحتوية على ما يجمع المنتمين لفن الأدب بفروعه، ومن يتماهى في الإبداع معك وسواك ممن كان فيه الشعر واحداً من معالم سبيل المسيرة المتنقلة حسب الحقب وما تمليه ظروف الذات مع ما يتوافق مع الواقع المعاش.

الشاعر عبدالله الزيد الذي لاقى ربه قبل أيام كان لرحيله أثره الذي حمّل أنفساً كثيرة أحزاناً وليس حزناً واحداً؛ لأنه كان يحمل لتلك النفوس كل حب ووفاء وصدق في التعامل في القول والعمل. الزيد (رحمه الله) أديب شاعر مبدع، وإنساني يعني عنوان الوفاء، ومن كان الوفاء من شيمه أحبه الناس واحترموه؛ لأنه كان محترماً لنفسه باحترامه الآخرين، فالأخلاق الحسنة كانت من الصفات التي يمتاز بها، وهي التي عززت مكانته وفرضت تقديره في نفوس معايشيه، ومع هذه الصفات الحميدة التي تمثلها شخصيته كانت ثقافته العريضة التي ملكها بالعلم والمتابعة المستزيدة من القراءات والتجارب الحياتية علمياً وثقافياً، وقد كان أديباً يعيش حياته في بحث مستمر، فهو دائماً يبحث عما يقرؤه وما يراه وما يعلمه -كرأي ك/الشناوي- إذا نامت عينه استيقظت أحلامه، وإذا هدأ جسده ثارت أفكاره، وإذا اطمأنت نفسه تنهد عقله.

فحياته الثقافية عديدة الأنواع، ولكنها في المحيط الذي اختاره وبرع فيه بكل إتقان، عمل في الإعلام مذيعاً ونجح في قراءات نشرات الأخبار وإعداد البرامج المنوعة والحوارات إذاعياً وتلفزيونياً، وركز في نشاطه الخاص على تنمية هوايته في كتابة الشعر الذي ساهم فيه بكتابة القصائد المتكاملة لغةً وفكراً والتي تمثله شخصياً إذ لها خاصيتها المميزة ومعيار الشاعر المجيد ما تمثله إبداعاته الشعرية من خصوصية تدل على شخصيته المتفردة في العطاء الذي يجلب إليه المتلقي الذي وجد ما يشده وما هو يرى أنه يضيف إليه أشياء جديدة تثري روحه.

كانت عطاءات الشاعر الزيد من الأشعار التي تمثلت في حوالي اثتي عشر ديواناً أو أكثر حيث هناك قصائد لم تضمها الدواوين التي صدر أولها بعنوان (بكيتك نوارة الفأل سجيتك جسد) عام 1986 واصل إصدار الدواوين التي كانت تمتاز بالتطور تكنيكاً ورؤية في كل إصدار؛ مما يؤكد الحرص الشديد على أن تكون العناية بالإبداع قائمة على مبدأ الإضافة والتجديد المبتكر، وكان التوفيق حليفه؛ لأنه كان وفياً مع فنه يغذيه بما يمتلك من وسائل من شأنها أن تعطيه المزيد، وتبرز قيمة شعر الزيد الفنية التي حماها ورعاها من أي شوائب لمن أراد تأكيداً على قيمتها الإبداعية عليه النظر، فيما جمع في مجلدين شملت جميع أشعاره تحت عنوان (المجموعة الكاملة الأولى/ الثانية) وقد كان من الأدلة على شاعريته القديرة منحه جائزة محمد حسن عواد للإبداع الشعري عام 2011.

عبدالله الزيد الشاعر الكاتب الناقد المتحدث الأديب بما تعني الكلمة، والإعلامي متعدد النشاطات، والكاتب الذي واكب الصحافة والإعلام مساهماً بأعمال مقنعة جعلت منه واجهة ثقافية لامعة ولافتة حسب الظروف التي كان فيها يعطي ما يرى أن يتوجب أن يكون ضمن ما هو موجود في الساحة الثقافية بوضوح وثقة؛ لأنه يمثل عضواً نافعاً في هذا المجال، وكان يجدُّ ويكدُّ، مثبتاً بأنه خلق لهذا المجال، ولا يمكن أن يبرحه أو يستطيع أن يبدع في شيء آخر سوى الأدب والثقافة؛ مما أضفى عليه صفة الأديب المثقف، وكانت مشاركاته في الأمسيات الشعرية والندوات والمحاضرات الثقافية مشاركاً ومداخلاً ومقدماً كلها تقول: عبدالله الشاعر الأديب المثقف، ولا تغيب عنه سمة الوفاء والصدق في التعامل مع الآخر، والصدق الفني في نتاجه الإبداعي، وهذا يعرفه من قرأ وسيقرأ ما يبقي عبدالله بيننا أعني بذلك أشعاره ودواوينه، وهي العزاء والأمل في أن صورته مجسمة في نتاجه ستتحدث عنه أبداً. وسأستعين بنموذجين من شعره الأول من إطلالته الأولى والثاني من شعره الأخير، وفيهما تظهر جودة نتاجه التي تنامت مع مسيرته الشعرية:

*(1) صوت الوجه المرسوم:

شبه منحرف

الشك الغائم شكّلني

في لون الردهة

في تعتيم الإمكان

الوقت الشاحب غادرني

رؤيتي شملت

لا لا..

لا أدري!.

*(2) فقرة غرثى من كتاب الغياب/

«بداية قصيدة مهداة إلى روح الصديق النبيل المخرج الإذاعي المتفوق سعيد شوشه الثبيتي رحمه الله وإلى أسرته ومحبيه»:

من سوف يقرأ قصيدتي..

عندما تكون نازلة للتو

من سبحات الإلهام؟

ومن الذي يتلقف شعري

قبل أن يتوسد صمت المجاميع

ووحشة الدواوين

وإعراض الرواة؟

وداعاً عبدالله النبيل سبقت الرفاق والطريق واحد. أعزي نفسي مع ذويك وكل محبيك وإلى لقاء.