لم تكن بلادنا تعرف المحميات الوطنية بشكلها الحالي للحفاظ على البيئة والمراعي والتنوع الحيواني والحفاظ عليها من الانقراض، ولكن مع مرور الوقت وانتشار السيارات وتطور وسائل الصيد الحديثة وكثرة الثروة الحيوانية بدأت تشهد جل المناطق صيداً ورعياً جائراً مما بات يهدد بانقراض العديد من الحيوانات النادرة كالمها العربي والغزلان وأسراب الحبارى وطيور النعام والفهود المفترسة، كما هدد الرعي الجائر بالقضاء على الغطاء النباتي المتنوع، وكانت أول اهتمامات بلادنا بحماية البيئة تعود إلى عهد المؤسس الراحل الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- عندما جمع عدداً من الحيوانات الصحراوية وأهداها إلى حديقة «سان دييغو» في الولايات المتحدة الأميركية للعناية بها خوفاً عليها من الانقراض، ثم تبعه أبناؤه في هذا المنحى المحمود، فأسس الملك خالد -رحمه الله- مزرعة الثمامة التي تحولت إلى مركز الملك خالد لأبحاث الحياة الفطرية، وفيها أعداد كبيرة من الغزلان والمها العربي وغيرها من الحيوانات المهددة بالانقراض، وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد -رحمه الله- تم تأسيس الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها في الثاني عشر من رمضان العام 1406هـ.

محميات ملكية

وفي عهد الحزم والعزم عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- صدر أمرا ملكيا في السابع عشر من شهر رمضان لعام 1439هـ يقضي بما يلي، أولاً: إنشاء مجلس للمحميات الملكية في الديوان الملكي، ويعيّن رئيسه وأعضاؤه بأمر ملكي، ثانياً: تحدد المحميات الملكية وتسمى بأمر من رئيس مجلس الوزراء، ثالثاً: يكون لكل محمية ملكية مجلس إدارة وجهاز يتولى الإشراف على تطويرها ويتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، رابعاً: تقوم هيئة الخبراء بمجلس الوزراء -بالتنسيق مع مجلس المحميات الملكية ومع من تراه من الجهات ذوات العلاقة- وخلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر بإعداد ما يلزم لاستكمال الإجراءات النظامية اللازمة، وتباعاً لذلك فقد تم تأسيس مجلس المحميات الملكية برئاسة ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، وتوزعت المساحات الجغرافية على ست محميات ملكية لكل منها مجلس إدارة وجهاز يتمتع بالشخصية الاعتبارية للإشراف على تطويرها، وبهذه الخطوة المباركة باتت بلادنا تنعم بالعديد من المحميات التي تهدف إلى المحافظة على الغطاء النباتي والتنوع الحيواني كما تهدف إلى تنشيط السياحة البيئية، والاستمتاع بها وفق الأنظمة والتعليمات المحددة.

صيد جائر

وأدى الصيد الجائر في العقود الزمنية الماضية إلى انقراض العديد من الحيوانات البرية والطيور، فعلى سبيل المثال فإن المها العربي الذي كان يستوطن المملكة وهو من الأبقار الوحشية الكبيرة التي قد يصل وزنها إلى نحو 100 كيلوغرام، وهو حيوان صحراوي شديد التحمل للظروف البيئية القاسية، ويتغذى على الأعشاب البرية، ولا يحتاج إلى شرب الماء لأنه يستوفي حاجته من النباتات التي يرعاها، والجذور العصارية التي يحفر التربة ليحصل عليها، تعرض إلى صيد جائر رغم حذره الشديد جداً، وعلى الرغم بأن اصطياده كان يتم عن طريق الصيادين المهرة قبل قدوم السيارات والأسلحة النارية، وبحلول العام 1350هـ بدأت جماعات الصيد تبطش بالمها العربي، حتى أصبح شبه منقرض في العام نفسه، فبات وجوده مقتصراً على الأماكن المقفرة في منطقة الربع الخالي، وكذلك الحال بالنسبة إلى حيوان الريم فقد اختفت قطعانه التي كانت ترتع في المنطقة، ولم تعد باقية إلاّ في ذاكرة قدامى الصيادين، وأبيدت كذلك أسراب الحبارى وطيور النعام والفهود المفترسة من السهول الصحراوية، وبعد توفر السيارات وانتشارها بكثرة وانتشار وسائل الصيد الحديثة وعلى رأسها الأسلحة النارية فقد شهدت الحيوانات البرية والطيور وحتى المهاجرة منها صيداً جائراً أدى في النهاية إلى ندرتها وانقراض معظمها.

هيئة وطنية

وفي سبيل تدارك وضع الحيوانات البرية وخصوصاً النادر منها والطيور وكذلك الحفاظ على الغطاء النباتي فقد برزت العديد من الخطوات والتي من أهمها تأسيس الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها في الثاني عشر من رمضان العام 1406هـ، وقد أقامت الهيئة عدداً من المحميات الممثلة لنظم البيئة الطبيعية وللتنوع الإحيائي في البلاد، وهي تختار المناطق المحمية بناءً على توافر مزايا فريدة فيها، كوجود بعض الأنواع المهددة بالانقراض، سواء من النباتات أو الحيوانات، وقد تم تخصيص عدد من المحميات البرية والبحرية، ومن أهمها محمية حرة الحرّة وهي أول محمية تم إنشاؤها في المملكة، وموقعها في أقصى الشمال، وتمتد على رقعة مساحتها 775.13 كيلومتراً مربعاً، وتتكّون بشكل رئيس من سهل صحراوي واسع وهضبات من الصخور البركانية، ومن حيواناتها الغزال الرملي والغزال العربي والذئب والقط الصحراوي والثعلب وطائر الحبارى والنسر الذهبي والزقزاق والقبرة، وهي مركز لإعادة توطين النعام، والمها العربي، ومن المحميات التي تشرف عليها الهيئة محمية الخنفة بمساحة 450.20 كيلومتراً مربعاً من السهول الواسعة والصحارى الرملية على الطرف الغربي لصحراء النفود الكبرى، ترتع فيها الغزلان والزواحف والنسور وطيور القطا والحبارى، وهناك جهود لإعادة توطين الغزال العربي في المحمية.

غزلان وذئاب

ومن المحميات محمية الطبيق التي تمتد على مساحة 200.12 كيلومتر مربع في موقع يتميز بصخوره الوعرة، وهي من المناطق القليلة التي لا يزال يقطنها الوعل النوبي، كما تضم أنواعاً أخرى من الكائنات البرية كالغزلان والذئاب والثعالب والأرانب والصقور والنسور والحجال، وكذلك محمية الوعول في حوطة بني تميم والتي تتألف من جرف صخري وأودية شديدة الانحدار هي مجاري أنهار جافة موقعها في جرف طويق الخلاّب في وسط المملكة ومساحتها 2369 كيلومتراً مربعاً، وأوديتها المنحدرة مثالية للوعول، وهي موئل لبعض الحيوانات البرية الأخرى كالنمس والوبر والقط والنسر، وهناك خطط لإعادة الغزلان إليها، إضافةً إلى محمية عروق بني معارض وتقع شمال منطقة نجران في الربع الخالي، وتقدر مساحتها بـ12 ألف كيلومتر مربع، وتتميز بكثبانها الرملية التي تعتبر من أكبر الكثبان في العالم، ولا تزال بعض الحيوانات الفطرية تقطن المحمية، ومنها الذئب العربي والثعلب الرملي والقط البري والرتل، وكذلك بعض الطيور كالحبارى والدقناش والرخمة المصرية واليمام الجبلي والقنابر وغراب البين ونسر الاذون إلى أنواع الزواحف كالضب والورل، وقد نجح إدخال المها العربي وغزال الريم إلى هذه المنطقة.

قنفذ وأفعى

ومن المحميات أيضاً محمية محازة الصيد وتبلغ مساحة هذه المحمية المسيجة 2650 كيلومتراً مربعاً، وأرضها صحراوية، وهي مركز لإعادة توطين المها العربي والحبارى والنعام، وأطلق فيها المها العربي للمرة الأولى في العام 1988م، من حيواناتها القنفذ والأفعى المقرنة والقط البري وطائرا الصرد والأبلق، أيضاً محمية جرف ريدة وموقعها في محاذاة متنزه عسير الوطني، وهي من أصغر المحميات، وتنتشر على رقعة لا تتعدى تسعة كيلومترات مربعة، تحمي البقايا الأخيرة من غابة العرعر الكثيفة التي كانت مزدهرة في شبه الجزيرة العربية، وهي مرتع بعض أصناف الطيور الفطرية كالحجل الأحمر الساقين ونقار الخشب العربي وطائر الزقيقية اليمني، كما تجتذب هذه المحمية السعدان الربّاح ووشق الكركال والذئب العربي، إلى جانب محمية جزر فرسان التي تتألف من 84 جزيرة في البحر الأحمر، تبعد 40 كيلومتراً عن الشاطئ الجنوبي للمملكة، وتتميز بغناها بأصناف الطيور البحرية، ومنها العقاب النساري والباز القاتم والبجع الزهري والنورس الأبيض العينين، وهي موئل أكبر قطيع من الغزلان في المملكة، والمياه المحيطة بهذه الجزر موطن أنواع من الحيوانات البحرية مثل الأطوم والسلحفاة البحرية والشفنين،

جزر مرجانية

ومن المحميات محمية أم القماري، وتقع جزيرتا أم القماري شمال فرسان، وهما مرتع لمجموعة من الطيور البحرية والبرية، كالنورس والبجع الزهري والخرشنة والبلشون الأبيض ومالك الحزين والعقاب النساري والقماري الإفريقي، وتمتد الشعب المرجانية على عمق سنتيمترات تحت المياه في جوار الجزيرتين، وهي ملاذ لتشكيلة غنية من أحياء البحر الأحمر، وكذلك محمية مجامع الهضب وتقع بين محميتي عروق بني معارض ومحازة الصيد، وهي ملاذ للحمر السائبة وللوشق والقطط الرملية والثعالب وبعض الطيور، وقد تم فيها إعادة توطين الغزال الادمي، وأخيراً محمية الجبيل للأحياء الفطرية وتتميز بموقعها على ساحل مدينة الجبيل المطل على الخليج العربي مساحتها 2000 كيلومتر مربع، وتضم خمس جزر مرجانية، والعمل جاد فيها لمعالجة شواطئ مدينة الجبيل الصناعية من الزيوت ورواسب القار، وقد نجحت تجارب استزراع نباتات الشورة في المناطق الملوثة، ولوحظ تحسن ملموس في الغطاء النباتي إثر معالجة المنطقة البرية المتاخمة للبحر، وسوف يعزز ذلك برنامج إعادة توطين الريم، كما تعشعش السلاحف البحرية في مياهها، والمحمية مرتع لطائر الغاق السوقطري وأكثر من 11 نوعاً من الطيور البحرية.

تنوع أحيائي

والمحميات الملكية السعودية هي مساحات جغرافية متوزعة في أنحاء المملكة ذات ملكية عامة، تم تحديدها بأوامر ملكية من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- في يونيو 2018 م وتضم مناطق ذات تنوع أحيائي وجيولوجي ومناخي خصصت لحفظ الموارد الفطرية، وإعادة توطينها في المملكة، وتنشيط السياحة البيئية، والاستمتاع بها وفق أنظمة وتعليمات محددة، ويشرف عليها مجلس ذو استقلال مالي وإداري يسمى مجلس المحميات الملكية برئاسة ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- وتتوزع هذه المساحات الجغرافية على ست محميات ملكية ولكل منها مجلس إدارة وجهاز يتمتع بالشخصية الاعتبارية للإشراف على تطويرها، ويهدف تحويل تلك المناطق إلى محميات ملكية إلى تنظيم المحميات بحيث لا تتضرر أملاك المواطنين وقراهم وهجرهم التي تقع ضمن نطاقها، وللحد من الصيد، والرعي الجائر، ومنع الاحتطاب، من أجل زيادة الغطاء النباتي وحمايته، وكذلك إنماء البيئة الطبيعية للحيوانات والنباتات والمحافظة عليها، وهذه المحميات هي: محمية روضة خريم والمناطق المجاورة لها، وتسمى محمية الإمام عبدالعزيز بن محمد، محمية محازة الصيد، وتسمى محمية الإمام سعود بن عبدالعزيز، محمية التيسية والمناطق المجاورة لها، وتسمى محمية الإمام تركي بن عبدالله، ومحميتا التنهات والخفس والمناطق المجاورة لهما، وتسمى محمية الملك عبدالعزيز، وكذلك محميات الخنفة والطبيق وحرة الحرة والمناطق الواقعة بينها والمجاورة لها، وتسمى محمية الملك سلمان بن عبدالعزيز، وأخيراً محمية تقع بين مشروع نيوم ومشروع البحر الأحمر والعلا، وتسمى محمية الأمير محمد بن سلمان، وستكون هذه المحميات الطبيعية متاحة للمواطنين والمقيمين دون أسوار أو حواجز.

المها العربي ساهمت حمايته في إنقاذه من الانقراض
الدولة تبذل جهوداً كبيرة للحفاظ على الغطاء النباتي
الرعي الجائر شوّه جمال البيئة
هناك مخاوف بانقراض الضبّان بسبب صيدها المستمر
إعداد: حمود الضويحي