لم تنفصل الثقافة ولا منظومة القيم الدينية والفكرية عن حاجات الدول والمجتمعات؛ بل إن التجارب والمواقف أثبتت مدى الارتباط بين تلك القيم والسلوك الحضاري للدول؛ بل إنّ هذه القيم باتت سُلطة أخلاقية ذات سطوة وتأثير وصوغ لعلائق المجتمعات البشرية جمعاء.

بالأمس اختتم منتدى القيم الدينية السابع لمجموعة العشرين جلسته الأخيرة، التي تناولت موضوع "التزام الهيئات الدينية في الحد من مخاطر الكوارث"؛ ويأتي هذا الموضوع متماهياً مع تلك الهيئات والقيادات الدينية بصفتها جهات مستجيبة وأساسية ومؤثرة في أوقات الاضطرابات والكوارث الطبيعية، بما في ذلك الأزمات الصحية مثل جائحة كوفيد-19.

وقد لفت اللقاء إلى الدور العميق للسلطة الأخلاقية للقيادات والهيئات وإلمامهم بمجتمعاتهم، وأنهم قادرون على توجيه إنذارات مبكرة وتخفيف المعاناة الإنسانية والمساعدة على التأقلم وتوفير القيادة عندما يتعلق الأمر بإجراء تغييرات مهمة على سلوك الناس ومواقفهم.

إن هذا المؤتمر بحيوية موضوعه وأوراقه المتماسّة مع حاجة الدول على اختلاف ثقافاتها وظروفها لهو تأكيد على أن القيم الدينية تعدّ آصرة قوية قادرة على تذويب الاختلافات والتمايزات الثقافية والسياسية والتباينات الأخرى بين الشعوب؛ وأنه متى ما كان الاحترام والتقدير لقيم كل شعب ودولة فإننا بذلك نجسّر الفجوة الفكرية والثقافية والسياسية بين شعوبنا.

كما أن المؤتمر يعطي تشخيصاً وتوصيفاً دقيقاً للقيم الدينية باعتبارها السياج الذي سيحمي شعوبنا ويصونها من مزالق الفتن والوقوع فرائس سهلة للكراهية والمشاعر الشريرة والسيئة؛ فالتنوّع القيمي بين شعوبنا هو دليل غنى وثراء حضاري وثقافي.

وغني عن القول إن تقارب الشعوب واحترامها لقيم بعضها البعض لا يعني الاستلاب الحضاري ولا التبعية؛ بل تأكيد حقيقي على أن مستقبل الإنسانية جمعاء رهين بدرجة الاحترام والاعتبار لتلك القيم ومدى التقارب والحوار المتبادل بينها وبين معتنقيها من أفراد وشعوب ودول.