التلوث الضوضائي شعرتُ به أمس وأنا في أحد الأماكن العامة.

قرقعة وقعقعة الصحون والعربات، ضجيج الزبائن لا يهدأ خاصة ممن لا مراعاة لديهم فيشغّل مقاطع الجوال بصوتٍ عالٍ وكأنه لا يعيش في مجتمع بل في عالمه الخاص، صراخ ولعب الأطفال، كان إعصارا من الإزعاج، ظل في رأسي حتى بعد خروجي.

أصوات الشوارع كذلك، منبهات ومحركات، منبهات لا تحتاج أن تُضرب كثيرا، لكنه التوتر والعصبية وقلة الصبر لدى الناس، تلوثات مشاعرية أضافت إلى التلوث الضوضائي وقودا.

بعض البيوت تمتلئ بالصراخ والغضب والأصوات العالية، تلوث لا ينتبهون له لأنهم اعتادوا عليه، حتى لو صار البيت هادئا لاستنكروا ذلك.

ما نحتاجه منقي جو صوتي، شبيه بمنقي الجو الذي يصفي الهواء من الشوائب، لكن صوتيا، يخفض كل صوت إلى 70 ديسبل، مع التركيز على الأصوات المفاجئة الانفجارية كالضربات والقرقعات، يحولها إلى أصوات كائنات لطيفة كصوت حوت أو شبل نمر، يحوّل الصراخ إلى همسات محبة، دوي الضرب إلى خرير الماء، طنين النكد والتذمّر إلى تغريد الكناري، رنين الهواتف والطَّرق على ألواح المفاتيح إلى مقطوعة لموزارت.

لا أستبعد ظهور جهاز كهذا، والتقنية تدهشنا باستمرار بعجائب لا تتوقف، ومما أستخدمه سماعات رأس حاجبة للضوضاء، أضعها على رأسي إذا أردت العمل أو الكتابة فتعزلني في عالمي، لا أستطيع التركيز وأنا محاط بالإزعاج، عكس الوهم الذي عشته طفلا لما اعتقدت أنني لا يمكن أن أحل الواجب أو حتى أنام إلا على أصوات التلفاز.

لما نضجت أدركت خطأ ذلك، وتشبعت من الإزعاج، وسئمت الضوضاء، وجعلت أحد أهداف يومي أن أكون هادئ المزاج، ومتجنبا للإزعاج قدر الاستطاعة، وإن اشتمل ذلك على تخيل تقنية تريحنا منه كتلك التي بالأعلى فلا بأس، خير لنا أن نعيش خيالا هادئا على واقع ضوضائي!.