لا أعرف كيف يكون الحزن جمالاً.. حين نكتبه مستعينين به على ما ندرك من اللغة.. بل إنني لا أعرف كيف تحترق الأكباد جمالاً كما قيل عن رثاء هذيل.. ما أعرفه يقيناً أن صباح الاثنين جاء قاتماً جداً بوميض هاتفي الذي نقل لي خبر رحيل الصديق الشاعر عبد الله الزيد، هكذا فجأة دون أن نلوّح له.. هو واحد من كثيرين جمعتني بهم القصيدة منذ أكثر من ربع قرن.. لكنه ظل واحداً تماماً في كل جميل فتّشت عنه في أصدقائي.. وفي كل يوم أكتشف أن هناك مثلي الكثير من الأصدقاء تفرّد الزيد في أرواحهم وحده.. هناك أعراف وتقاليد في الرثاء أولها استعراض سيرة الراحل.. لكن سيرة الزيد معي على الأقل أفعال موثّقة، وأقوال للتوثيق.. أذكر تلك الرسالة الطويلة التي غمرني بها بعد أن استلهمت ملامحه في عيون وأرواح كل من عرفه.. أتذكر كيف جاءت هكذا.. متفرّدة حتى في موقفها.. حيث جاء فيها: (في هذا اليوم تحديداً.. لم أكن أدرك ما الذي أطار النوم من عيني منذ لحظات الفجر الأولى وأخرجني من سكينتي لأقتني جريدة "الرياض" هكذا دون دافع ملح.. وقبل أن أبادر إلى تصفحها جاءتني كلماتك بالبشرى.

يا ألله.. كيف تفعل الأسرار العلوية فعلها دون أن نقرأ حرفاً من سيرة الغيب المكنون بعيداً عن بصائرنا واستكناهنا إنها روحك الجليلة التي أبت إلا أن ترفع من قدري وتعيد ذكراي وتأخذ بحقي ممن صادر حقي..) هكذا حملت رسالته الكثير مما يدركه من الحب والطيبة والنبل.. حتى علّمني بعفويته مفهوم الصدق في الامتنان حينما يحيله بأناقة لحسن ظنه فيك.. هكذا تماماً كما أكمل في رسالته: (عزيزي الغالي إن كلمات استهلكها العرفان بالجميل مثل: ممتن وشاكر ومقدر ومدين لك بجمالك.. إنها لا تفي بما تستحق ولا تشفي غليل المغتبط بما أسديت.. إذاً.. سأترك الود الذي يتربع في قلبك، وللمحبة التي تورق بها جوانحك أن تقدر ما يمور في قلبي ووجداني.. وأنت حري بأن تقرأ ذلك.. مثلما تكرمت ورسمت البروفايل بأدبك وتفوقك وعبقرية تكوينك وجعلتني أبتهج وأعيش اعتزازاً واغتباطاً لم أعهدهما من قبل)...

يا الله.. كنت قد رسمته بما عشته فيه وعرفته منه لا عنه.. فأبى إلا أن يمتنّ خلودًا ويطوّقني بحب يتجدد.. لم تمت يا صديقي.. فمثلك لا يموت.. نعم رحلت عنا.. لكنك ستظل معنا.. معنا دائماً كلما تذاكرنا سيرة النبلاء في الأرض.. وداعاً أيها الصديق الحبيب.. الحبيب حد فجيعتي برحيلك..!

إبراهيم الوافي