حديث الأمير فيصل عن العلاقات الاجتماعية المتماسكة التي تميز الأحياء القديمة التي يطلق عليها البعض "عشوائية"، والحقيقة أن المدينة العربية / الإسلامية تطورت عبر الزمن لتبدو "عفويّة" رغم أن المساجد والمباني العامة منتظمة، وهذا كان يحيرني.. فلماذا تتحول المدينة على مستوى الحي السكني إلى تكوين عضوي عفوي؟..

‎للأمير فيصل بن سلمان، أمير المدينة المنورة، تصريح حول الأحياء العشوائية، وأنه ليس بالضرورة أن تكون كل الأحياء غير المنتظمة في تخطيطها هي فعلا عشوائية، بل هي أحياء قديمة تحتوي على بنية اجتماعية مترابطة وقديمة استمرت عبر الزمن وقاومت كل إغراءات التغيير. علق الصديق الدكتور عبدالله الحصين على حديث الأمير بقوله: "الأحياء" العشوائية، مصطلح مجحف ويحمل في طياته (التنمر العمراني).. ويحرض على التعاطف مع انتهاك حقوق أهل هذه الأحياء وانتهاك الحق العام المتعلق بالحق الشعبي بالحفاظ على الإرث الثقافي العمراني، فيا ليت أن يستبدل هذا المصطلح بـ(الأحياء العفوية) أو نحوها مما لا يتضمن دلالة سلبية. وأكد الحصين أن "المصطلحات" من أشد الأسلحة فتكا في الحروب الناعمة في السياسة والاجتماع والعمران، وكوني أتفق مع رؤية الأمير فيصل التي تعيد تعريف المصطلح المجحف على حد قول صديقنا الدكتور الحصين، لذلك فإن الخطوات التي يقوم بها أمير المدينة يجب أن تحتذى في المناطق الأخرى.

وبالطبع هذا التوجه من أمير المدينة ليس بجديد فقد تبنّى خلال السنوات الأخيرة مشروعا لتحسين المشهد البصري للعديد من أحياء المدينة القديمة. تلك المحاولة المثيرة تركت أثرا واضحا على تلك الأحياء وحولتها إلى مجالات حضرية ملفتة بصريا، ربما تكون الخطوة القادمة هي ما أشار له الأمير فيصل حول تطوير البنية التحتية لتلك الأحياء، وربما إعداد خطة لما يسمى "مستوى التدخل" level of Intervention، وهذا قد يتطلب وجود خطة متأنية تعمل مع السكان بعد تحسين وتطوير البنية التحتية والمشهد البصري للأحياء العفوية والدخول في تفاصيل جودة الفراغات الداخلية للمساكن نفسها وهي مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة. مفهوم مستوى التدخل هو وضع سلم أولويات للتدخل في المسكن وتطويره من الداخل والعمل على توفير الميزانيات له.

الدراسات تقول إن نقل السكان من مواقعهم التي ولدوا وتربوا فيها وبنوا نسيجهم الاجتماعي والاقتصادي عبر تلك المواقع يمثل مخاطر كبيرة محتملة على الأمن الاجتماعي. ربما هذا يعيدنا لحديث الأمير فيصل عن العلاقات الاجتماعية المتماسكة التي تميز الأحياء القديمة التي يطلق عليها البعض "عشوائية"، والحقيقة أن المدينة العربية / الإسلامية تطورت عبر الزمن لتبدو "عفوية" رغم أن المساجد والمباني العامة منتظمة، وهذا كان يحيرني فلماذا تتحول المدينة على مستوى الحي السكني إلى تكوين عضوي عفوي؟، ووجدت أن مسألة التماسك الاجتماعي هي السر، فحتى تعمل آليات مثل الشفعة وحق المرور التي تساهم في الحفاظ على البنية الاجتماعية للحارة عبر الزمن يجب أن يكون التكوين العمراني عفويا ومرنا.

ومن الواضح أن هناك فرقا شاسعا بين الأفكار والتنظير في مسألة التعامل مع الأحياء العفوية خصوصا تلك، ذات الجذور التاريخية التي تتميز ببنى اجتماعية تاريخية.

خطوة أمير المدينة عملية ونهج حكيم، كما يصف ذلك الدكتور الحصين، فهي خطوة تتعامل مع الواقع وتحاول إيجاد حلول لمشكلة تفاقمت مع الزمن نتيجة لسكون التطوير في تلك الحياة وتقدم باقي المدينة، سكان تلك الأحياء ينتظرون حلولا عملية تجعل من الأماكن التي يعيشون فيها ملائمة للحياة المعاصرة، وهذا أمر ليس مستحيلا، كما أنهم يتوقعون أن تحفظ حقوقهم وتبقى أماكنهم التي تشكلت فيها ذكرياتهم وربما ذكريات أبائهم وأجدادهم. لا أريد أن أتحدث برومانسية المعماري الذي يريد أن يحافظ على النسيج التاريخي للمدن والقرى لأن الرومانسية لن تساعد سكان تلك الأحياء الذين ينتظرون مبادرات عملية وواقعية.

ربما نحن نحتاج في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى مثل هذه المبادرات التي تأتي من رأس الهرم الإداري في كل منطقة، فهي مبادرات تحفز الناس وتدفعهم للمشاركة والعمل وترفع لديهم درجة الإحساس بالمسؤولية.

مبادرة الأمير فيصل ليست فقط من أجل إعادة التفكير فيما يسمى بالأحياء العشوائية، بل هي مبادرة من أجل إحياء المسؤولية الاجتماعية التي تفتح العيون على القضايا الاجتماعية والحقوقية المتراكمة التي لا يريد أحد أن يوجد لها حلا. لقد كان تعليقي على حديث الأمير فيصل أنه "رؤية إيجابية عميقة تستحق أن يثار حولها حوار عمراني على المستوى الوطني"، وأكدت أن إعادة تعريف مصطلح "الحي العشوائي" هو توجه عميق في التنمية فالإزالة ليست هي الحل، ولكن العدالة هي التي تصنع الحلول وتبني التنمية.