تصب معاني الاعتراف والمكاشفة في معين واحد، ويؤدي مفهومهما غالباً إلى نتيجة ثابتة، فالاعتراف الذي هو متعلق بإظهار الذنب، والشعور بالتقصير هو في النهاية كشف لما في الذات من تلك العوالق؛ فكل اعتراف يقود إلى مكاشفة ومصارحة؛ وقد لوحظ هذا اللون من الأدب الذاتي في كثيرٍ من الاعترافات التي كان يكتبها الغربيون كما في اعترافات السويسري الفرنسي (جان جاك روسو 1712 - 1778م) على سبيل المثال، وكذلك اعترافات الروسي (ليو تولستوي 1828 - 1910م)، ومثلها اعترافات البرازيلي المعاصر (باولو كويلهو)، وغيرها.

وفي الوقت الذي ينظر فيه كثير من النقاد إلى أن هذا اللون من الأدب ينبثق من الذات، أو السيرة الذاتية، راح بعضهم يمزج بينه وبين أدب الرسائل؛ فحين درس أحد الباحثين المعاصرين رسائل (حمزة شحاتة) إلى ابنته (شيرين) على سبيل المثال، حاول أن يخط مسلكاً أدبياً جديداً لسير تلك المراسلات فأدرجها ضمن الرواية؛ نظراً إلى ما تنضح به من غزارة قصصية وذاتية، ثم حاول الربط بين الرسائل والرواية والاعتراف والتاريخ؛ ولذلك ضمّ الرسائل والاعترافات في كونها تقع بين منزلة وسطى بين التاريخ والقص.

ويتميز أدب الاعترافات والمكاشفات حين يضمه النسيج الرسائلي بتألقه؛ ذلك أنه كتابة أنموذجية تسعى حثيثاً لكشف ما هو حقيقي وواقعي، وهو في نفس الوقت أدب يحاول أن يتجنب ما هو خيالي أو افتراضي؛ ولذلك فإن الاعترافات والمكاشفات - كما يرى أحد النقاد - ترجمة ذاتية تتعمد عرض مواقف نفسية وعاطفية خاصة، وأن طبيعة الرسائل (التواصلية - التسجيلية - الخاصة - الذاتية) تسهم في تمثل هذا النهج الذي يقوم على الاعتراف والمصارحة والمكاشفة.

ويقوم تضافر الاعترافات والمكاشفات مع الرسائل داخل الرواية العربية دليلاً على تداخل الأجناس غير الأدبية التي يمكن توظيفها ضمن السرد الروائي، مثلها في ذلك الخواطر، والفضاءات الأخرى المتنوعة؛ ولذلك فإن استعانة النص الرسائلي بها تطعيماً وتنويعاً، هو شكل من أشكال التداخل والتفاعل، ربما كشف عن صعوبة في التجنيس الأدبي؛ وهو الأمر الذي جعلها متوارية في عالم النقد؛ فالتجنيس بشكل عام يتطلب مقاييس معينة كالقصدية والتراكم والتنوع والامتداد الزمني، ونحو ذلك من مظاهر التجنيس.

لقد أخذ أدب الاعترافات والمكاشفات مع الأجناس الأدبية المتنوعة، ومع الرسائل - تحديداً - مساراً تفاعلياً آخر، بل أخذ يتمثل روح الرسالة أحياناً؛ لما للرسالة من قدرة على البوح والمكاشفة والخصوصية؛ كما بدا ذلك جلياً في رسائل الأحزان لمصطفى صادق الرافعي (1880 - 1937م) التي اتصفت في كثير من نصوصها بلون من الاعتراف والمكاشفة، تجنح أحياناً للتفاعل بين الرسالة والخاطرة والاعتراف، وربما ألوان أخرى.

إن مثل هذا التلاحم بين الأشكال والأنواع والأجناس الأدبية ضمن جنس أدبي بعينه يجعل الخطاب أكثر تميزاً من الناحية الحوارية (الأجناسية)، كما أنه يسهم في تميّز الخطاب الأدبي من الناحية الشعرية بفعل تلك العلاقات والتفاعلات التي تحدث بين النص وعوالمه الداخلة عليه، وهو ما يمكن تلمسه في ألوان كثيرة من أدب الاعتراف والمكاشفة.