منذ انطلاقة رؤية المملكة 2030 في شهر إبريل 2016، والسعودية تشهد نقلات حضارية غير مسبوقة في شتى مجالات الحياة، منها الصحية والتعليمية، بما في ذلك في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات وجودة الحياة وتسهيل التعاملات التجارية والقضائية.

حققت هذه النقلات للمملكة ولشعبها وللمقيمين على أراضيها حياة معيشية متميزة يسودها السعادة والشعور بجودة الحياة، وليس ذلك فحسب، بل إنها بعثت برسالة محلية ودولية مفعمة بالتفاؤل والأمل المشرق لمستقبل زاهر وواعد للبلاد.

برامج رؤية المملكة الثلاثة عشر، تخطت بنهجها وتوجهاتها وسياساتها الأهداف والمستهدفات التقليدية المتعارف عليها لتحاكي المستقبل البعيد جداً الذي يعتمد بشكلٍ كبيرٍ جداً على توظيف استخدامات تقنيات العصر القادم والأجيال القادمة، مثل تقنيات الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence في مجال صناعة بناء وتشييد المدن الذكية، وتقنيات اتصال الجيل الخامس، والتحول للاعتماد على استخدام الطاقة المتجددة Renewable Energy، وغيرها من التقنيات السابقة لعصرنا الحاضر التي لا يزال بعضها محل التجارب العلمية والعملية للتأكد من إمكانية تعميمها بشكل تجاري واقتصادي.

نتيجة للجهود الحكومية الحثيثة والجادة في تنفيذ مستهدفات الرؤية، تَمَكنت المملكة من حصد وتحقيق مراتب ودرجات، بما في ذلك مؤشرات إيجابية في مجالات علمية وعملية عديدة، من بينها مجال التعاملات التجارية وسهولة ممارسة الأعمال، وتقنية الاتصالات، وتحلية المياه والتعاملات التي لها علاقة وارتباط بمجال الخدمات العدلية والقضاء والمحاكم، حيث على سبيل المثال لا الحصر، حققت المملكة المركز الأول عالمياً في مجال إصلاحات بيئة الأعمال، متقدمة بذلك 30 مرتبة، من المرتبة 92 إلى المرتبة 62 وفقاً لتقرير ممارسة الأعمال 2020 الصادر عن مجموعة البنك الدولي World Bank Group.

كما وحققت المملكة في مجال تقنية الاتصالات اللاسلكية المرتبة الثانية في تخصيص النطاقات الترددية بين دول مجموعة العشرين، وتجاوزت المتوسط العالمي لسرعة الإنترنت، برفع متوسط سرعة الانترنت الجوال من 16 ميجابت/ث في عام 2017 الى 41.2 في عام 2019 بزيادة تقدر بـ 150%، وبرفع أيضاً متوسط سرعة الإنترنت الثابت لأكثر من الضعف من 21 ميجابت/ث في عام 2017 الى 46.9 في عام 2019. وآخراً وليس أخيراً وبالتحديد في مجال تقنية المعلومات والاتصالات، استطاعت المملكة من تحقيق المركز الثالث عالميا في انتشار تقنية الجيل الخامس.

دون أدنى شك أن ما تحقق من مستهدفات الرؤية في وقت قياسي من عمر الزمن جدير بالذكر والاحترام والتقدير للمسؤولين الحكوميين وعلى رأسهم خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد الأمين (عراب الرؤية) حفظهما الله، ولكن برأيي رغم ما تحقق من إنجازات طموحة للمملكة بسبب الرؤية، إلا أن الحاجة تفرض واقعها الحالي والملح في ظل جائحة فايروس كورونا لإعادة النظر ببعض مستهدفات الرؤية المستقبلية وصولاً للعام 2030 وما بعده، وبالذات في مجالات مهمة للغاية، مثل مجال الأمن الغذائي، والأمن الصحي، وبالذات في مجال الدواء والتجهيزات والمستلزمات الطبية المتعلقة بمكافحة وباء ما قد يجتاح العالم مستقبلاً لا سمح الله.

ومن هذا المنطلق أنادي باستحداث برنامجين جديدين للرؤية أحدهما يرتبط بالأمن الغذائي والآخر يرتبط بالأمن الصحي بمفهومهما الواسع والشامل، بحيث لا يكونا ضمن مستهدفات أياً من برامج الرؤية الثلاثة عشر، وإنما يأخذ كل برنامج منهما، طابع البرنامج المتخصص والمستقل بذاته Stand-alone program، وبهذا تتفادي بلادنا ما قد يحدث بالأزمات العالمية المستقبلية من الإشكاليات المصاحبة، مثل مخاطر الاضطراب المحتمل في سلاسل الإمداد ووسائل النقل الدولي، ومنع بعض الدول تصدير منتجاتها الأساسية لتلبية حاجات شعوبها الضرورية. كما أن برأيي من بين الدروس المستفادة من جائحة كورونا، عدم الاعتماد والتعويل بشكل كبير على الاستثمار في الخارج في مواد واحتياجات أساسية للإنسان، كالغذاء والدواء والمستلزمات الطبية، لأن وقت الأزمات ستمنع الدولة المستثمر فيها خروج تلك المنتجات المستثمر فيها من بلادها لتلبية احتياجات مواطنيها والمقيمين على أراضيها.