خلقت جائحة فيروس كورونا (كوفيد- 19) أزمة إنسانية وصحية غير مسبوقة، فقد أدت الإجراءات الضرورية لاحتواء الفيروس إلى إحداث هبوط اقتصادي، وهناك درجة كبيرة من عدم اليقين في الوقت الراهن حول مدى حدتها وطول مدتها، وبحسب دراسة جديدة للإسكوا (لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية) أشارت إلى أنه سيقع 8.3 ملايين شخص إضافي في براثن الفقر بالمنطقة العربية نتيجة انتشار كوفيد- 19، كما ستخسر المنطقة حوالي 1.7 مليون وظيفة على الأقل، وهناك حوالي 93 مليون مواطن فقير، إذاً يمكن أن يرتفع هذا الرقم - نتيجة أزمة كورونا - ليصل إلى 101 مليون شخص، كما أن الطبقة الوسطى بدأت للأسف بالانكماش، ونرى ارتفاعاً في الفئات المستضعفة، في منطقة تستعر فيها الحروب والنزاعات، وهناك تداعيات كبيرة على اللاجئين وعلى البلدان التي تعاني من نزاعات ولا تتوفر فيها الظروف الصحية المناسبة لتقديم العلاج.

لذا لابد من التضامن والتكافل الاجتماعي في المجتمع على المستويات كافة، بدءاً من الأسر الصغيرة إلى الأحياء أو القرى والبلدات، وصولاً إلى المدن والمؤسسات الكبرى، وإطلاق المبادرات الفردية والشخصية والمؤسسية والمختصة من أجل إشاعة أجواء التكافل الاجتماعي والوقوف إلى جانب البعض للتخفيف من آثار وتداعيات الوباء والأزمة الاقتصادية على الأسر الفقيرة والمحتاجة والأشد فقراً، ولابد من عقد شراكات بين الدولة من ناحية وبين المجتمع الأهلي ممثلاً بالجمعيات والمؤسسات الخيرية أو حتى الأفراد من ناحية ثانية، وهي مبادرات لها دورها الكبير والمؤثر في مثل هذه الحالات التي تصيب المجتمعات وتفتك بها.

هذه المبادرات في ظل الأوضاع التي يمرّ بها العالم تعدّ من الأسباب الحقيقية للتغلّب على الوباء والأزمات، فإشاعة أجواء التضامن والتكافل في مثل هذه الأجواء تخفّف من الأعباء من ناحية، وتُشعر أن الناس لبعضها، ومن ذلك إعلان بعض أصحاب العقارات بالفعل عن مبادرات لإعفاء بعض المستأجرين لفترة محددة، ولكننا نتمنى أن تتحول هذه اللفتات الاستثنائية إلى ثقافة عامة للجميع وليس فقط لحالات معينة، ومن مظاهر التكافل الاجتماعي تفقد الأقارب والأصدقاء والجيران من خلال وسائل التواصل والاطمئنان عليهم والعمل على تقديم يد العون والمساعدة لهم عند الحاجة بدون الإخلال بالتعليمات الوقائية الصحية، وبادرت بعض الأسر إلى تفعيل صناديق التكافل، ويمكن تشكيل مجموعات تطوعية في الأحياء تكون مهمتها تفقد أحوال أهل الحي من خلال الاتصال والمتابعة وتأمين احتياجاتهم، وخصوصاً كبار السن والفقراء.

وأمام هذا الوباء الذي فتك بالعالم يمكننا أن نستعيد الكثير من القيم التي لطالما كانت الحصن الحصين لمناعة مجتمعنا، ومنها قيمة التكافل الاجتماعي التي تجعل الفقير يشعر بالغنى في ظل مجتمع لا يتخلّى عنه، والغني يشعر بالراحة النفسية وهو يساند الفقير كي لا يصل الوباء إلى كل مكان، وبذلك يمكن أن تتحوّل المحنة إلى منحة إنسانية تسمح للإنسان بإعادة استجماع قواه من جديد لمواصلة الصمود في معركة مكافحة الوباء.