عندما عملتُ في واشنطن 2005م، أتذكر حين وصلت أول مرة إلى مطار دالاس ركبت (تاكسي) إلى منطقة فرجينيا، وسألني السائق حينها من أين أنت؟ فأجبته من السعودية.. فذكر لي: أنتم سعوديو أميركا محظوظون بـ"سفير فوق العادة" في رعايته لكم، ودهائه السياسي وعلاقته بالبيت الأبيض الذي تعرفه أبوابه جيداً وفي أي وقت يشاء!.

كان المحنك الأمير بندر بن سلطان مهندساً وشريكاً في الدهاء الدبلوماسي السعودي عبر تاريخه المجيد، ومدرسةً خاصة في الدبلوماسية والساحة السياسية العربية والعالمية، تخرج من تحت عباءته عدة وزراء وسفراء فوق العادة كوزير الدولة للشؤون الخارجية عادل الجبير، ووزير الدولة لشؤون الدول الأفريقية أحمد قطان وغيرهما من الدبلوماسيين الأكفاء، شهدت له واشنطن والمجتمع الدولي كلاعب مؤثر في ملفات كبيرة حملها بكل تفانٍ ودهاء، منافحاً عن وطنه في كل الاتجاهات خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، وكأنه يحمل المقعد السادس في منظومة الأمم المتحدة، كما قال عنه وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر الذي عاصر الأمير بندر منذ أن كان رئيساً لطاقم البيت الأبيض في عهد رونالد ريجان ووزيراً للخارجية في عهد جورج بوش الأب.

يقول المؤلف البريطاني ويليام سمبسون: قضى بندر بن سلطان سفيراً في واشنطن، المدينة الأكثر نفوذاً وتأثيراً في العالم، حيث يتوجب على السفراء أن يقضوا أوقاتاً كثيرة لجذب الانتباه، فهم يتنافسون في الحصول على العناوين الرئيسة (في الإعلام الأميركي) مع أعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس، والرئيس الأميركي نفسه، ومعروفٌ أن دور السفراء العرب ضعيف في واشنطن، لكن، وكما لكل قاعدة استثناء، فقد كان الأمير بندر أحد الاستثناءات، فقد عمل في منصب سفير السعودية إلى أميركا لمدة 23 عاماً، لكنه كان أكبر بكثير من مجرد مبعوث تقليدي، فقد كان لاعباً ذا امتياز في واشنطن، وصانعاً عالمياً لعملية السلام، وعنصراً مغيراً للتاريخ فقام بدور محوري في معظم القضايا العالمية خلال الثمانينات والتسعينات، ولعب دوراً في ملفات عديدة، وقضى على تأثير اللوبي الإسرائيلي النافذ في معارضة صفقة أسلحة أميركية مع السعودية..

وعند تتبع إنجازاته تجد أن بندر بن سلطان قام بأعمال فريدة في عالم السياسة ودهاليزها التي لا تعترف إلا بالأقوياء والأذكياء فقط، فقد أقام علاقة جيدة مع بيل كلينتون، ولكنه تمتع بنفوذ وتأثير كبير خلال عهدي رونالد ريجان وجورج بوش الأب ثم الابن، فكانت له نشاطاته وصولاته وجولاته غرباً وشرقاً، وكان رسولاً حكيماً في المفاوضة وتحقيق الأهداف، ومنجزاً في عدد من مبادرات السلام التي تولاها بنفسه كإنهاء الحرب الأهلية في لبنان وإنهاء أزمة لوكيربي، ودور بارز في الدبلوماسية السعودية لإنهاء الحرب الإيرانية العراقية، ودور رئيس في مسألة إيران - الكونترا، وفي سحب القوات السوفيتية من أفغانستان..

وبعد حديث الفيلم الوثائقي للرئيس السابق لجهاز المخابرات السعودي والأمن الوطني عن موقف المملكة من عملية السلام في الشرق الأوسط، يبقى الشخصية القادرة على التعامل مع الأحداث برؤية خاصة نظراً لمؤهلاته ومهاراته وخبراته المتراكمة في الأداء والتحركات والتطورات السياسية، باختصار المساحة إنه "بندر" لمن لا يعرفه!.