اكتسب الخطاب في زمننا هذا مفهوماً عاماً حتى صار يدخل في رواقه كل نصّ، أو شكل، أو جنس أدبي، أوغير أدبي، كما صار يدخل في إطاره كل خطاب مسموع أو مرئي أو مكتوب، فيقال مثلاً: خطاب تلفزي وخطاب إعلامي وخطاب صحفي وخطاب أدبي وخطاب شعري وخطاب نثري، وخطاب عام وخطاب خاص ونحو ذلك، وقد تناول الفيلسوف الفرنسي (ميشال فوكو 1984م) تنوع الخطابات بالدراسة من حيث خصوصيتها اللغوية والمعرفية؛ وذلك في كتابه (حفريات المعرفة).

ويتبادر إلى الذهن كثيراً عند ذكر الخطاب ذلك التمييز الدقيق بين اللغة والكلام الذي تنبه له اللغوي السويسري (فريناند دي سوسير 1913م) صاحب كتاب (محاضرات في اللسانيات العامة)، وإن كان الخطاب يكتسب مفاهيم متنوعة؛ فهو أيضاً يطلق على الكلام الواضح الموجز، كما بين ذلك بعض المفسرين في بيان قوله تعالى:«وَشَدَددنَا مُلكَهُ وَءَاتَينهُ ٱلحِكمَةَ َوفَصلَ ٱلخِطَابِ»، حيث أشار بعض البلاغيين إلى أن معنى فصل الخطاب هو البيّن من الكلام، وذكر بعضهم أنه يجوز أن يراد بالخطاب القصد الذي ليس فيه اختصار مخل ولا إشباع ممل؛ ولعل هذا الضابط هو ما يمنح الخطاب أدبيته التي ينبغي أن يكون عليها، ويتسم بها.

على أن مفهوم الخطاب أكثر رحابة من غيره؛ فهو يتلوّن وفق معطيات كثيرة ومتنوعة عبر مجالات معرفية عديدة؛ لذلك نرى هذا التنوع يجيز لنا أن يصبح لدينا خطاب سياسي وخطاب تاريخي وخطاب ديني وخطاب أدبي خطاب فني وخطاب رياضي، وغير ذلك من أنواع الخطابات، بل قد نجد ضمن تخصص بعينه تعدداً في الخطابات، كأن ينطوي تحت إطار الخطاب الأدبي خطابٌ للشعر وخطاب للنثر، أو أن يكون لخطاب النثر أيضاً خطاباته المنبثقة عنه (الخطاب السردي مثلاً)، أو الخطاب القصصي، أو الخطاب الروائي، أو الخطاب المسرحي، أو الخطاب الرحلي، أو الخطاب الرسائلي أو الخطاب السيري أو نحو ذلك.

ويدل ذلك التوسّع في مفهوم الخطاب على أنه بات اليوم مفهوماً شائكاً ومعقداً؛ لذلك أخذ يصطبغ بالمفهوم الرسمي والجانب الإداري والإطار العام غير الأدبي، وصارت تدخل في سننه الكتابي أشكال أخرى من قبيل: البيانات والمعلومات والطلبات والتقارير والتعريفات والإخباريات وغيرها، لكن النقاد لم يبحثوا عما يمكن أن تضيفه هذه الخطابات من جمالية داخل الأجناس الأدبية؛ وهذا في نظري قد يعد غريباً عند بعض المتخصصين في المجال النقدي.

ولو بحثنا في علاقة الخطاب العام بالخطاب الأدبي، وتأملنا في الرواية العربية على سبيل المثال لألفيناها تقوم على نمطين مختلفين: نمط يهتم بالخطاب التوثيقي كمجموعة الأخبار والتقارير العامة، ونمط يستهدف الخطاب السردي، ويبحث عما فيه من تخييلية تنهض بالرواية في تحديد بنيتها وتعدد أصواتها ورسم هويتها الأدبية. وكلا النمطين يمكن أن يحققا بعض الأدبية في تفاعلهما مع الرواية؛ إذ قد تفوح منهما روائح جمالية، كما لو ظهرت عليهما بعض الآثار البلاغية أو الأجناسية التي تكسب النص قيمة أدبية، ومن ثم يصبح الخطاب أكثر تفاعلاً وجمالاً.