حكى لي الصديق ص.م قال: كان لي صديقٌ -أو كنت أحسبه صديقا- فأنا لست من الذين يدققون كثيرا في أمور الصداقة أو ممن تنتابه الشكوك حولها إذ أنني أؤمن بأن الحياة أخذٌ وعطاء وتبادل مكارم ومنافع كما أؤمن أن الصداقة قد يعتريها ما يعتريها من تبدلٌ أو تحول، ولذا فأصدقائي الخلص قليلون جداً وربما لا يتعدون أصابع اليد ومن ثم فإنني لا أستنكف أو أستغرب كثيراً لتقلبات الناس مع تقلبات الأحوال...

قال: ولكن شخصاً كنت أحسبه صديقاً خالصاً لأنه يظهر المودة والإخلاص فاعتبرته بكل بساطة أخاً نادراً، ولم يخطر ببالي أن تلك الأخوة والصداقة مدخولة بكثيرٍ من الأغراض والأهداف بل وربما المكر والتداهي، وكان هذا الشخص كثيراً ما يحذرني من فلانٍ وفلان ممن أعتبرهم أصدقاء حقيقيين بل كان يرميني بالغفلة والسذاجة إذا اعتبرت أولئك مخلصين في صداقتهم...

قال: وكنت أشكره على حرصه وإخلاصه بيد أني أقول له يا أخي أنا أحسن الظن بالناس ولا يهمني شيءٌ غير ذلك فإذا رأيت العكس أو ثبت لي خلاف ما كنت أظن فالأمر سهل بالنسبة لي فهذا الشخص أقابله برحابة صدر وبالعذب واللطيف من القول والكلام ولا أُعول عليه في شيءٍ غير ذلك ويظل رقماً مهملاً كأي شيءٍ نعتبره من سقط المتاع فوجوده لا يضرني وغيابه لا يهمني، قال: إذا هذه سذاجة منك وربما بلادة فكيف تصاحب مثل هذا الذي أراك لا تعول عليه في شدائد الأمور...

قلت له: يا سيدي دع عنك الشكوك وسيء الظنون وثق بالله أولاً وثق في نفسك وفيمن حولك وظن بهم الظن الطيب الحسن وإياك وظن السوء وأنت لم تجربهم ثم من قال لك إن الصداقة قائمة على المصالح والمنافع المادية فهناك أصدقاء تجد لديهم كثيراً من الخصال الحميدة الطيبة والأحاديث العذبة وحسن المعشر وطلاقة الوجه وطلاوة اللسان وهذه مكاسب عظيمة في الصديق أما الصديق المثالي الذي تتصوره أو تصنعه في خيالك فقد لا تعثر عليه مطلقاً ألم ترَ أنهم قد ذكروا أن الخِل الوفي هو أحد المستحيلات كالعنقاء... فالصداقة الخالصة من الشوائب أو بعض الهنات هي من الأمور التي لم تتحقق حتى لأكثر الناس وجاهة وأعظمهم مقاماً فيذكر أنهم سألوا الخليفة عبدالملك بن المروان عن منتهى أمانيه فقال: لقد جربت كل متع الدنيا وملذاتها فما تمنيت شيئاً مثل جلسةٍ على رملةٍ عفراء في ليلةٍ قمراء مع خلٌ وفي..

فيا صديقي لا ترجوا الكمال حتى من نفسك فإذا كنت ترى في بعض أصدقائك عيباً فقد يرى الآخرون فيك عيوباً لا تراها وهم لا يقدرون على إبدائها أو مجاهرتك بها خشية من زعلٍ أو ألمٍ ينتابك حين يكشفون لك شيئاً من المستور منها، واطلب من الله دوماً حسن الخلق مع السلامة والستر.