من وصل لمنصب رئاسة دولة فقد توجب عليه أن يُدير الأمور بحكمةٍ واتزانٍ، لا بعنجهيةٍ وتهور، وأن يكون على جانبٍ من الأدب والخلق والاحترام لغيره من رؤساء الدول، فالسياسة الحكيمة تستوجب ذلك إن لم يستوجبه القلب، وتستوجبه القناعة، وسلاطة اللسان ليست من مقومات السائس الناجح..
معروفٌ عن سياسة المملكة العربية السعودية اتزانها وانضباطها، واتسامها بالحصافة والنزاهة، ومعروفٌ أن من طبيعة البشر أن أهل العقل والحكمة الملتزمين بالأخلاق الرفيعة يستهدفهم الطائشون من أهل النزَق والغرور ممن لا يلتزم بالأخلاق والمبادئ ولا يراعيها، فالذي يتخبّط عشوائياً في ظلمات بعضها فوق بعض لا يقتصر على مجرد التعسّف والركض في الطريق الخطأ، بل يتصدَّى للتهجم على من يسير على المنهج المستقيم بخطى ثابتة مستضيئاً بنور العقل والحكمة، ومن هذا القبيل أن تخبطاتِ الرئيس التركي أردوغان وتعرجاته في متاهات الأزمات واكبها تطاولُهُ المنظَّمُ على المملكة العربية السعودية، وقد كان هذا التطاول نابعاً من عَمَهٍ أصاب بصيرتَه، وغشاوةِ حقدٍ أعمته عن الحق وزجَّت به في مهاوي الغيِّ، ولهذا التطاول أشكالٌ كثيرةٌ وينتهز له من المناسبات ما أمكنه، وأغرب انتهازاته اهتباله فرصة الترحم على الموتى للتهجم على المملكة، وقد تنوعت تطاولاته ومجالات تعريضه بالمملكة العربية السعودية، فمرّةً يُلمِّحُ بأن مكة المكرمة في خطر، ومرة يُصرِّحُ بأن بعض قادة المنطقة لهم سياساتٌ لا تتوافق مع العقل والمنطق والإنصاف والضمير، وأن بعض بلدان المنطقة لم تكن موجودة بالأمس، وربما لن تكون موجودة في المستقبل، إلى آخر ما قال، ومثل هذا التعدي والإسقاط الذي يطال مملكتنا الحبيبة يمنحني أحقية الرد؛ لكوني ابن المملكة السعودية نشأت في كنفها المبارك، وعلى ترابها الطاهر، وتحت حكم حكامها العادل، وقد غرّدتُ بأبياتٍ تتضمن ردَّاً عليه، وراقت للكثير دون القليل، ولي في هذا الأمر بعض الوقفات:
الوقفة الأولى: أن الجهر بالسوء إن كان غير مطلوب في شريعتنا الغراء ابتداءً، فهو مشروعٌ على سبيل الرد والاستنصار والمقابلة، والبادئ أظلم، والكرام والفضلاء وإن كان الغالب عليهم الفعل الجميل والقول الحسن إلا أنهم يمرُّون بمواقف عارضةٍ تخرجهم عن هذا السياق مما يتطلبه الموقف، مسترشدين بذلك من تعليمات القرآن الكريم، وهدي السلف الصالح، يقول الحق جل وعلا: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم)، ويقول جل وعلا: (ولمن انتصر من بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل)، وحين قال عروة بن مسعود في عام صلح الحديبية للرسول صلى الله عليه وسلم: "فو الله إني لأرى وجوهاً وأرى أوباشاً من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك" يعني الصحابة رضوان الله عليهم، فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه: "امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه"، وإذا كان من الملائم لقيادتنا أن لا تجاريه في الردود الكلامية، وأن تردَّ عليه بالأفعال لا بالأقوال، فمن اللائق بنا معشر الشعب السعودي أن ندافع عن قيادتنا المفدَّاة بشتى الوسائل بما في ذلك الأقوال، فمن تعرَّض لقيادتنا فقد ظلمنا ظلماً لا يُقرُّه الأحرار، وهل يدفع الظلم إلا بإباء الضيم وعدم إقرار الدنيَّة؟
متى تملك القلبَ الذكيَّ وصارماً وأنفاً حميَّاً تجتنبك المظالم
الوقفة الثانية: أن من وصل لمنصب رئاسة دولة فقد توجب عليه أن يُدير الأمور بحكمةٍ واتزانٍ، لا بعنجهيةٍ وتهور، وأن يكون على جانبٍ من الأدب والخلق والاحترام لغيره من رؤساء الدول، فالسياسة الحكيمة تستوجب ذلك إن لم يستوجبه القلب، وتستوجبه القناعة، وسلاطة اللسان ليست من مقومات السائس الناجح، كما أن من الخطأ الفادح تبني أردوغان لنظريةِ هيمنةٍ جامحةٍ، وعشقه التوسع عشقاً مزمناً لم يستطع إخفاءه، وكل ذلك ينمُّ عن جنونِ تعاظُمٍ اختار لنفسه الغوص في أعماقه، والإبحار في خياله، وتلك أحلامٌ لا تعدو أن تداعبَ ضميره، ويلهو به لهو الحالم بما يتراءى له في سباته العميق، ومتى أراد أن تتحول تلك الأحلام لمشروعٍ يُرادُ تحقيقه، وقولٍ علنيٍّ يمكن تطبيقه، فهذا ما لا يقبله أحد، فإن كان يظن نفسه ريحاً، فغيره إعصارٌ، ومن قفز فوق ما يسع خطوه فويل له من سقطةٍ يتمرَّغ بها في التراب.
الوقفة الثالثة: أن من أحزنته أبياتي في أردوغان، وأقلقه نظمي لا يخلو من أمرين: الأول: أنه أُتـِيَ من تخيله الخاطئ، ونظره الفاسد بأن المذكور خليفة المسلمين القادم، وأنه النموذج الجميل للرئيس الرائع، وأقبح التخيلات، وأبشع التصورات والتوقعات ما كان مخالفاً للواقع وحقيقة الأمر، وحالهم لا يقلُّ عن حال أؤلئك الذين كانون يظنون عارض العذاب الذي أقبل عليهم بأنه سحابٌ مقبلٌ بالغيث والخير والبركة، فإذا هي ريحٌ محملةٌ بالتراب فيها عذابٌ أليم، الثاني: أنهم لا يمدحون الرجل لأجل حبهم له، وقناعتهم به، بل لأجل أنهم قبحهم الله تعالى يكرهون ولاة أمرهم، ويحملون في صدورهم الغلَّ والحقدَ عليهم، وهذه أسوأ؛ لأنها مكابرةٌ محضةٌ.


التعليقات