لا يمكن تحقيق تنمية مستدامة بدون أمن مائي، ولذلك تسعى الدول إلى تأمين احتياجاتها المائية عبر كل الوسائل المتاحة وقد تنشأ الصراعات بسبب النزاعات على مصادر المياه، المملكة من الدول الفقيرة مائياً ولكن بفضل الله ثم بالتخطيط السليم والاستثمار طويل الأجل أمنت المملكة احتياجاتها من المياه، الحكومة أطلقت في عام 2015 الاستراتيجية الوطنية للمياه 2030 والتي تتكون من 10 برامج منها إعادة هيكلة المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، في إطار استراتيجية لتخصيص أعمالها، وقد بدأت المؤسسة في تنفيذ البرنامج عبر ثلاث مبادرات لتحقيق المهمّة المُنوطة بها، ومن يتابع التطور الكبير الذي حدث في أعمال التحلية خلال السنوات الماضية يدرك فاعلية الاستراتيجية ونجاحها، ولعل أكبر تحدٍ واجه المؤسسة هي جائحة كورونا التي تعاملت معها إدارة المؤسسة بكل احترافية ولم يشعر السكان بأي نقص في إمدادات المياه، وإن كان في المملكة صروح شامخة عززت القيمة المضافة للاقتصاد السعودي مثل أرامكو وسابك فإن المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة مفخرة للوطن وهي أكبر منتج لتحلية المياه في العالم بنسبة 22 % من الإنتاج العالمي حيث وصل إنتاجها في عام 2019 إلى 1883.6 مليون متر مكعب بزيادة نسبتها 4 % عن عام 2018 وفي كل عام تحطم أرقامها القياسية المسجلة في موسوعة غينيس للأرقام القياسية، إنها المؤسسة التي تعزز الأمن المائي للمملكة عبر 33 محطة تحلية منتشرة بين الساحل الشرقي والساحل الغربي وتنقل المياه عبر خطوط أنابيب تزيد أطوالها على 7700 كيلومتر تُضخ عبر 63 محطة ضخ وتصل إلى 324 خزاناً بطاقة تخزينية تتجاوز 17 مليون متر مكعب، بالإضافة إلى إنتاج المياه فإنها تنتج حوالي 40 مليون ميغاواط ساعة من الكهرباء، كل هذه الإنجازات الرائعة التي تحققت كانت بأيدٍ وطنية مدربة تدريباً مهنياً على أعلى المستويات وبلغت نسبة الســعودة فــي مجــال التشــغيل في عام 2019 حوالي 94.8 % أما المحتوى المحلي فكان ضمن اهتمامات المؤسسة لتحقيق أهداف رؤية 2030 وتم تأهيل 30 مصنعاً في عام 2019 وحصر قطع الغيار ذات الطلب العالي وعددها 135 قطعة لغرض تصنيعها محلياً، وقد نجحت المؤسسة خلال السنوات الماضية في خفض التكاليف وحققت وفورات قدرها 174 مليون ريال من خلال التعامل المباشر مع المصنعين أيضاً وقعت المؤسسة 25 اتفاقية تثبيت أسعار خلال العام 2019 أما المصاريف التشغيلية فقد كانت من ضمن الأهداف التي عملت عليها المؤسسة واستخدمت تقنيات الــRO لخفض الطاقة المستهلكة في وحدات التناضح العكسي كانت الوحدة في عام 2014 تستهلك طاقة 4 كيلو واط لكل متر مكعب في عام 2020 انخفض الاستهلاك الى أقل من 3 كيلو واط وتستهدف المؤسسة الوصول الى رقم غير مسبوق عالمياً عند 2.5 كيلو واط لكل متر مكعب وهذا عند تطبيقه على جميع وحدات التناضح العكسي سوف يوفر مصاريف بأكثر من 330 مليون ريال، وقد ظهر أثر العمل الجبار الذي نفذته المؤسسة على إيراداتها في عام 2019 والتي حققت نمواً تجاوز 53 % بمبلغ 1.6 مليار ريال وهي بذلك تسعى إلى الوصول إلى نقطة التعادل بين المصاريف والإيرادات، ثم المرحلة التي تليها تحقيق أرباح، وقد بدأت المؤسسة فعلياً في حصر الأصول وتقييمها من أجل تحديد التكاليف بشكل دقيق وتعمل على الانتقال إلى النظام المحاسبي المبني على الاستحقاق وفقاً للمعايير المحاسبية، ولأن تقنية المعلومات من أهم الروافد التي تعزز الكفاءة التشغيلية والمالية للمؤسسة فقد تم البـدء بمشـروع التحـول الرقمـي لأنظمـة SAP للمسـاهمة فـي حسـاب تكلفـة إنتـاج ونقـل الميـاه وإنتـاج الطاقـة الكهربائيـة، وهذا بدوره سوف يساهم في تحديد سعر بيع الإنتاج من المياه والكهرباء على أساس تجاري، المؤسسة أيضاً بدأت في تطبيق مبدأ الجودة في أعمالها من أجل تحقيق أعلى كفاءة وتبنت نموذج المؤسسة الأوروبية للجودة EFQM والـذي تسـتهدف فيـه التحسـين والتطويـر المسـتمر لكافـة مجالات أعمالها الرئيسـة والمسـاندة، التدقيق الداخلي والحوكمة من أهم الإجراءات التي تبنتها المؤسسة لتحسين عملياتها وتحقيق أهدافها وإدارة المخاطر بشكل فاعل وتعديل أي انحراف في المسار والامتثال للسياسات والإجراءات ومعايير المحاسبة الدولية.

أعتقد أن المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة تسير بخطى متسارعة وجودة عالية وإدارة فاعلة وواعية لتحقيق هدف الرؤية من خلال برنامج الخصخصة وهي بالفعل أصبحت الآن من أكثر المؤسسات العامة المؤهلة والقادرة على التحول إلى القطاع الخاص وربما يكون ذلك قريباً وسوف يتبع ذلك تغيير في سياسة بيع المنتجات على أساس ربحي وعند تحقيق المؤسسة أرباحاً صافية خلال السنوات اللاحقة للتحول سوف تطرح كشركة مساهمة عامة وسوف تعزز عمق السوق المالية السعودية وتضاف إلى الشركات العملاقة ذات القيمة والعائد الجيد والثابت للمستثمرين وتكون بذلك من الشركات التي تفتح شهية المستثمر الأجنبي والمؤسسي الذي يبحث عن الشركات ذات الجدوى الاقتصادية والتي لا تتأثر أعمالها ونتائجها المالية بالدورات الاقتصادية.