كنت وما زلت أقول بضرورة فصل التشجيع في عالم كرة القدم عن المواطنة، وعدم إقحام الوطنية وحب الوطن بمناسبة وبدون مناسبة حين يتعلق الأمر بكرة القدم وفنونها وجنونها، وأستثني بالطبع من ذلك تشجيع المنتخب الوطني فأقول دائمًا إنَّه الوحيد الذي لا خيار في تشجيعه والتعاطف معه بكل المشاعر وفي كل الأوقات والظروف، وأقول إنَّ الأخضر هو وحده الخط الأحمر!

  قلت ذلك في كل منبر أتيح لي حين كان الهلال يلعب وحده في دوري أبطال آسيا، وأعيد ذلك اليوم وأنا أرى من يريد أن يجعل من تشجيع النصر في آسيا واجباً وطنياً مفروضاً على كل مواطن ومواطنة، وقراراً لا خيار فيه، مع أنَّ ذلك من وجهة نظري يخالف سنة كرة القدم وطبيعتها وجمالها وروحها، والحقيقة أنَّ من يستطيعون أن يتمنوا الفوز لمنافسيهم ويفرحوا بتحقيقهم للانتصارات حتى في مشاركاتهم الخارجية هم قلة يملكون قدرة خاصة لا يملكها جل مشجعي وجماهير كرة القدم في العالم، والحقيقة أنِّي أغبطهم على هذه القدرة الخاصة؛ لكنِّي في المقابل أرفض أن يتم تجريم الشريحة الأكبر من جماهير كرة القدم التي لا تستطيع أن تشجع إلا فريقها، ولا تتمنى الفوز إلا لفريقها، ولا تستطيع أن تشجع المنافسين لفريقها أو تتعاطف معهم، والتي ترى أنَّ من يمثل الوطن هو فقط منتخب الوطن، أما على صعيد الأندية فالمجال أوسع وأرحب، والخيارات مفتوحة للجميع!

  ضمن هذا النطاق كل شيء مسموح بين المتنافسين، ضمن حدود الأخلاق والقيم التي لا تتعارض مع تمني فوز هذا وخسارة ذلك، ولا الفرحة بفوز هذا أو إظهار السرور لخسارة ذاك حتى لو صاحب هذا السرور ممارسة بعض أنواع السخرية العفيفة أو (الطقطقة) المتبادلة بين الإخوان وأبناء العمومة والأصدقاء من مشجعي الأندية؛ لكن ذلك يجب أن يتم ضمن حدود وخطوط الأدب والأخلاق؛ فلا بأس -مثلًا-  أن تظهر فرحك بهزيمة الهلال أو خروجه من منافسة ما، ومن الطبيعي أن يفرح كل جماهير الفرق المشاركة في دوري أبطال آسيا في شرقها وغربها بقرار الاتحاد الآسيوي إبعاد الهلال عن البطولة بسبب تفشي فايروس كورونا في البعثة بغض النظر عن تفاصيل الموضوع وأسبابه وتداعياته؛ لأنَّ الهلال هو كبير آسيا وحامل اللقب والتهديد الأكبر لكل طامحٍ به؛ لذلك فمن غير المنطق أن أطالب جماهير وإعلام هذه الأندية أن تتعاطف مع الهلال، وأن تنتصر له وتطالب بحقوقه وتضغط على الاتحاد القاري لإنصافه؛ ولا أن تظهر الأسى والحزن على ما حدث له؛ لكن المرفوض قطعًا من الطفل الصغير والشاب الغرير فضلًا عن الشيخ الكبير أن يظهر الشماتة على ما حدث للبعثة الهلالية خارج الملعب، وأن يمارس الشماتة في مرض وجائحة أصابت إخوانًا له في الدين قبل أن يكونوا إخوانًا له في الوطن، وأن يتألَّى على الله في قوله أن ما حدث من ظلم للهلال هو عقاب من الله ليذيق الهلاليين بعض ما أذاقوه من ظلم للآخرين -على حد زعمه-، بل ويستشهد بالآيات القرآنية ليضحك الغوغاء الذين صاروا يمثلون السواد الأعظم من جماهيره، بعد أن كان جل جمهوره من أهل الصلاح والفضل حين كان من مشاهير القراء قبل أن يرضى لنفسه -شفاه الله من مرض الهلال- أن يتحول إلى مجرد واحد من مشاهير الطقطة والتهريج في تويتر والسناب شات!