هذه المدن المحاصرة بالصحراء وقلة موارد الحياة فيها تستعيد تلك المدينة الأسطورية "إرم ذات العماد" التائهة ليس ببعيد عن أطراف تلك المدن، وإن كان أحد لا يعلم أين هي على وجه التحديد..

يحكي لنا القرآن ثم التاريخ حكاية المدينة التي لم يُخلق مثلها في البلاد، تلك المدينة الغائرة تحت كثبان الرمال التي تدور حولها القصص والأساطير ويتخيلها المعماريون والآثاريون كمدينة شاهقة مبانيها، فحسب قول الزميل علي غبان فقد تم اكتشاف نقوش على الحجر قدمها قدم مدينة قوم عاد الأسطورية "إرم ذات العماد". لذلك ما نراه اليوم في مدينة "شيبام" الحضرمية من مبان شاهقة متطاولة في البنيان يصل بعضها إلى أكثر من 13 طابقا ليس بالأمر الجديد بل هو امتداد لممارسات موغلة في التاريخ. لكن المدينة التاريخية العتيدة اختفت تحت وطأة الرمال الزاحفة بعد أن هجرها أهلها (عوقب بعضهم لكفره بالله) وتركوها للخراب. الزمن لا يجامل أحدا يعمل على هرم الأشياء وشيخوختها وفنائها وتلك المدينة الأسطورة لم تسلم من الفناء وأصبحت مجرد حكاية تحكى. ذلك المشهد الذي ربما يعود إلى 8000 آلاف عام، كأنه يتكرر اليوم، وبسيناريو مغاير في الظروف والمعطيات، في مدن الخليج المعاصرة التي تقف شامخة على أطراف الصحراء ولا تعي حقا ماذا تخبئ لها هذه الصحراء الصبورة المتأنية التي تصنع الفناء ببطء وتتحين الفرصة للانقضاض عليها.

كنت قد وصفت المدن الخليجية المعاصرة بأنها مدن هشة سهل ذوبانها وسط الصحراء واختفائها مع مرور الوقت، وأنها مدن غير مستدامة وتحتاج إلى الكثير من الموارد غير المتوفرة طبيعيا وتتطلب ثروات ضخمة لاستدامتها قد لا تكون متوفرة في المستقبل. مقارنة بالعاصمة الهولندية "أمستردام" التي تقع فوق شبكة من القنوات المائية ومع ذلك لا يتجاوز عدد سكانها 600 ألف نسمة، تمثل المدينة الخليجية حالة من التوسع العمراني غير المحسوب، كونه توسعا لا يضع المخاطر المستقبلية، خصوصا توفر المياه، في الحسبان ولا يدرك تأثير المتغيرات الاقتصادية التي قد تجعل جزءا كبيرا من هذه المدن مفرغة من سكانها، المهاجرين أصلا من بلدان أخرى. هذه المخاوف، التي تذكرني بمدينة عاد الأسطورية، ليست وليدة اللحظة بل هي مخاوف قديمة نشأت مع تطور مفهوم "المدينة العميقة" الذي جر المدن الخليجية للاهتمام بالآني والحاضر بدلا من التفكير المنطقي في المستقبل.

في الخمسينات والستينات من القرن العشرين كان هناك حوار محتدم وشائك حول مفهم المدينة الحديثة وكتب مجموعة من الكتاب، المتخصصين وغيرهم، عدة كتب ومقالات تشير إلى المخاطر الكبيرة التي تواجهها المدن المعاصرة منهم "جين جاكوب" وكتابها "حياة وموت المدن الأمريكية العظيمة". في تلك الفترة كانت المدن الخليجية قرى صغيرة، ولم يكن هناك تطاول في البنيان، ولا حتى خطر على بال الناس الذين عاشوا في تلك المدن أنه ستكون مدنهم مثل المدن الأمريكية التي كانت "جاكوب" تتحدث عنها. الفرق أن المدينة الغربية ولدت من رحم الثورة الصناعية والمثابرة في خلق حداثة القرن العشرين التي أوجد ما أصبح يسمي "الطراز العالمي" في مطلع الثلاثينات من القرن العشرين، وهو طراز معماري يدعو للعدل والمساوة وعدم إبراز الاختلاف الطبقي من خلال الشكل المرئي. ومع ذلك فإن ذلك الطراز ووجه بقسوة من الراغبين في إبراز تفوقهم الطبقي، كما أن المدينة بتوسعها بعد الحرب العالمية الثانية بدأت تعود إلى انحيازها الطبقي الذي كان سائدا قبل الحداثة في أوربا.

كل ذلك كان يحدث في ذلك الوقت والمدينة الخليجية المتواضعة ترفل في سكونها وهدوئها وبساطتها واستدامتها، لكن كل هذا بدأ يتغير خلال النصف الثاني من القرن العشرين فتلك المدن الملتصقة بأمكنتها الطبيعية توسعت وأصبحت مخيفة في سرعتها العمرانية، لذلك لم يتوان "منيف" من طباعة أول رواية عن مدن الملح عام 1984م بعد أن لاحظ هذا التوسع العمراني غير المسبوق والتحول الحاد في البنية الاجتماعية والثقافية في تلك المدن. هذا كله ولم يكن الوضع قد وصل إلى منتهاه، لأنه ومع نهاية القرن كانت المدينة الخليجية تتجه إلى "الكونية" المغرية بناطحات سحابها وتعدد سكانها وتنوع الحياة فيها. هذه المدن المحاصرة بالصحراء وقلة موارد الحياة فيها تستعيد تلك المدينة الأسطورية "إرم ذات العماد" التائهة ليس ببعيد عن أطراف تلك المدن، وإن كان أحد لا يعلم أين هي على وجه التحديد. التاريخ يعيد نفسه، ودروس التاريخ تمر دون أن نعتبر لأن من يصنعون المدينة يفكرون في يومهم وليس في الغد الذي سيعيشه أبناؤهم بعدهم.