«لاشك عندي أن كتاب (شعراء نجد المعاصرون) للأستاذ عبدالله بن إدريس، قد مهد السبيل ورفع المشاعل وأقام الصوى لمن يريد أن يؤرخ للشعر والفكر والثقافة في الجزيرة العربية»

                            ( محمد علي السنوسي) 

-1960-


في المجالات الحياتية عموما أوليات كانت من اكتشافات أفراد تمكن كل واحد منهم من أن يضع منهجا أو طريقا يكون مسلكا لعمل «ما» من شأنه منفعة الإنسان الذي سيقوم بدوره بتلقائية في تطوير هذا العمل بما تحتمه وتحمله حركية الحياة والمتمددة في ديمومة لا محدودة، فأجيال تدفع أجيالا هي سنة الكون منذ الأزل ويشار إلى من تقدم به العمر في فن من أفانين الحياة أخذ في العطاء في مجاله وقدم ما يشبه الدروس للأحقية بأنه رائد، والرواد/ والرائدات، كثيرون ممن تنطبق عليهم صفة الريادة، مما يوجب احترامهم وعدم نكران ما قدموا لكون كل منهم قدم ما يتناسب وواقعه المتصالح والصالح في تعامله معه وقت حدوثه وتناميه.

تجيء الحالة في الصورة المجسمة للذكر الذي يحفظ للرواد مكانتهم ومحاولة استكناه آرائهم والحصول عليها كشهادات وعلامات على عرفان؛ لأن الرواد العمالقة لم يصلوا أماكنهم إلا بعد أن ساروا مسافات، وقطعوا أشواطا طويلة في سبيل الوصول إلى ما عمدوا إليه من مكان يليق بكل منهم حسب قدراته، وهذا متعارف عليه لا يجحده إلا من كانت الهشاشة الفكرية هي مقياسه من المتشبثين بأهداب الثقافة والباحثين عن الظهور بأي وسيلة سهلة دون الالتفات إلى أساتذتهم ممن سبقوهم ومحاولة الاستنارة بآرائهم والأخذ منهم، وذلك لا يعني الخنوع والتلاشي، ولكن يعني وضع الشخص في مكانته والاعتراف بقدراته، إلا أن ما يظهر أحيانا على سطور بعض الصفحات ووسائل التواصل فيها من التطاول على الرواد بالنعوت والأوصاف الممجوجة، وينظرون إلى أنفسهم وقد أتيحت لهم وسائل التعبير أن يقوّموا ويقسّموا المراحل وأن يصفوا من سبقوهم بالنقص وعدم التكامل وهم في الحقيقة لا يعرفون ما قدم أولئك للحياة الفكرية والأدبية من كتب ولم يحتكوا بهم، أو يدرسوهم دراسة حقة يلمسون من خلالها قدراتهم ونتاجاتهم الفكرية والإبداعية، ولكنهم يأخذون من بعضهم البعض حيث حصروا أنفسهم في دائرة خاصة يقوّمون كما يشاؤون ويتناقلون الآراء بالتواتر بينهم حتى القراءة محصورة في منتجهم ومحصولهم في التفاف على الشلة، فالآراء متشابهة ومكررة بنسخ عديدة تتناقل وكأنها مسلمات؛ مما أوهم البعض وسار على النهج لظنه أن هذا هو الصحيح، لأن الكل أصبح يرى ما يرون لكي يجد محصوله في وسيلة التواصل، وأخذ ما يسمع من القادر وغير المقتدر في عملية تداخل عجيبة.

شجب ما لا يتفق والمزاج، والبقاء يكون لأشيائهم فهي المقدّرة لديهم والتي يرون أنها تمثل الواقع الثقافي والإبداع المتوجب وجوده، شاعرهم لا يقرأ إلا لصاحبه الذي تمثل خطى شاعر مماثل؛ لتأتي أشعارهم متطابقة لا اختلاف فيها إلا في الأسماء، وكما يذكر الشاعر العراقي فوزي كريم عن المسار الواحد الذي كان عليه شعراء الستينات في العراق وغيره حيث التوجه يتبع السائد إعلاميا وما يطرح من خلال وسائله فكان الموضوع موحدا في مضامين النصوص العديدة، وباختلافه عنهم وسموه بالتقليدي والمتحفظ، وهو كما هو معروف في هجرته الطويلة إلى الغرب 1979 حتى توفي بداية 2020 قال «شغلنا بالحداثة في الداخل وفي إقامتي الغربية أصبحت دليلي قصيدتي العودة إلى موروثي العربي عودة في جزئها الأعظم، فقد أصبحت دليلا لعودة أصل أشركتها الموسيقى حاسة جديدة لتغيير الظاهر، تمنح الشاعر قدرة على صياغة الشكل، ولكن لذاته. بل ليكشف مثل الزجاجة السحرية، عن الشعر الحقيقي الذي وراء الشكل الموسيقي على الورق وسيط مهذب للقصيدة».

هو هنا كمن يمثل حالة الحرص على المنتج الأولي المحلي، وما توفر منه على أيدي الرواد الذي أسسوا للحركة الثقافية في كياننا الكبير فلهم كتبهم ومؤلفاتهم وتبعهم من ترسم خطاهم، وأضاف كما استثمروا من المثاقفة والتعليم في الخارج، ومنحوا الداخل ما يعني أن تكون صورتهم وما جهدوا فيه محل الدراسة ووسط دائرة الضوء في نشر ما غاب من مؤلفاتهم بالطرق التي تحفظ أعمالهم، نبذ التشابه يكون بالبعد عن النقل والمحاكاة ببلادة تمتص ما يدلق من آراء تتكئ على الأنوية التي يتصف بها ما كانت جذوره على السطح لكون المصدر لا يختلق، ولا يختلف بسبب الكسل الذهني الرابض الدافع إلى التماثل الذي هو بدوره يسرى فيه التلاشي والذوبان؛ بسبب عدم الملاحقة عن طريق الكشف بالقراءات والتزود من المنابع المختلفة، ليدخل إلى الرئة أكسجين الإنعاش الثقافي الذي أخذت أدواته ووسائله تأخذ مواقعها وستأخذ المزيد بما أن أعلنت وقامت ببعضه وزارة الثقافة بما تعمل عليه هيئاتها العديدة، وهذا يدل على أن وجها آخر سيكون لثقافتنا يتمثل في الحرص على الأساس من المنتج والجديد في الاستشراف بفعل المواكبة.

*لحظة مع الشاعر الرائد ناصر أبو أحيمد:

يا أسمــــر

تهمس بي وتضمر قائــــلة يـــــا أـسمــر

إن خـطاك في الطر يـــــق طــائر ينقــــــر

تمر حــــول بابــــــنا عشـــيـــة وتـنــــظــــر

حتى إذا ما لوّحت يــــدي إليك تـــذـــعر

وتشـــتهي مقلتـــــك السوداء لو تحجر


يا عاشــــقا إني هنا في شرفتــي أنتظر

صــــعّد إليّ طــــرفك الساجي لعلي أسكر

وتعبر الرؤيــا بنــا هنيــــهة وتبحـــــــــر

« 1958م»