في أحد كتب تطوير الذات لفت انتباهي عنوانٌ لمؤلف هندي يصنّف كتابه ضمن الكتب الأكثر مبيعاً؛ حيث عنون ذلك الفصل بعبارة (اترك البابَ مفتوحاً)، وأشار فيه إلى أننا نشعر بالسعادة حينما يترك أحدهم الباب أمامنا مفتوحاً بينما نحن نسير باتجاه منزل، أو مكتب، أو فندق؛ وعلى عكس ذلك ربما نشعر بلون من الضيق حينما يترك أحدهم الباب وراءه ينغلق في وجه من يمشي خلفه، هذا الشعور ساق المؤلف إلى تقسيم العالم إلى نوعين من الأشخاص: أولئك الذين يدفعون الباب لفتحه، ويتركونه ينغلق وراءهم، وهم يمثلون 99 % من العالم؛ وأولئك الذين يفتحونه ليتيحوا للآخرين من خلفهم لكي يمروا بسلام، وهؤلاء يشكلون 1 % من العالم.

ويؤكد هذا المؤلف الهندي أهمية قاعدته (اترك البابَ مفتوحاً) إذ يقول: «إن ترك الباب مفتوحاً لا يعدّ أمراً لطيفاً فحسب، بل يعد طريقةً معتادة في التفكير أيضاً؛ فهذا يشير إلى أنك تهتم بأمر الآخرين..»، ثم ينطلق المؤلف في توسيع النطاق (البراغماتي) لهذه القاعدة، وترسيخ مجالاتها، وأنماطها، فيلمح إلى أن هذه القاعدة تجعلنا نتقدم كثيراً في سبيل مساعدة الآخرين، والوقوف بجانبهم، ومراعاة ظروفهم، ومشاعرهم، وتفاصيلهم الصغيرة والكبيرة.

على أننا قد نجد لهذه القاعدة أشكالاً أخرى، ولا سيما من الجانب الأخلاقي المتمثل في الكرم؛ فالعربي قديماً كان يحرص على أن تكون أبوابه مفتوحة للضيف، سواء أكان ذلك الفتح حسيًّا، (فتح رواق الخيمة، أو خِبَاء بيت الشعر، أو باب المنزل)، أم معنويًّا، كالمحادثة والمضاحكة، وكثرة الترحيب، والاحتفاء؛ فهذه الدلالات تشير إلى الكرم والاستقبال والاستئناس بالناس، والفرح بالضيوف وتقديرهم وتوقيرهم. وقد دلت ظاهرة فتح الباب في القرآن الكريم على قيمة المتقين وعاقبتهم؛ قال تعالى: «جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ»، وقال جلّ وعلا: «حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا».

وإلى وقت قريب في عصرنا هذا، ما زال فتح الباب مؤشراً على كرم صاحبه، ورحابة مجلسه، وحبه للأضياف؛ فإذا أرادوا الانتقاص من البخيل قالوا: «فلان، لا يفتح بابه»، وعلى نقيض ذلك إذا أرادوا مدح الكريم قالوا: «أبوابه مفتوحة»، أو كما نقول في عاميتنا: «فلان، بيبانه مفتّحة»؛ فصار الفتح والإغلاق معياراً من معايير الكرم، والبخل؛ وحلّت مثل هذه الكنايات بديلاً عن الكناية القديمة (فلان كثير الرماد)؛ وإن جمع الشاعر العامي بينهما في زمننا هذا (كثرة الرماد، وفتح الباب) في قوله: «امل الوجار وخلوا الباب مفتوح».

إن فتح الباب في وجه الضيف قبل استقباله، وفي وجه الإنسان عموماً قبل دخوله إلى أي مجال حسي، أو معنوي، هو مظهر من مظاهر الاعتناء والاهتمام بالآخر، وهو ملمح ينم عن شعور فخم، وإحساس عالٍ يتصف به الإنسان تجاه الآخرين، بل إن أثر فتح الباب نفسياً قد يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى شعور المخاطب بالأمن والأمان والطمأنينة؛ وبخاصة إذا نبع من جهة عليا؛ وخير دليل على ذلك عبارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز - حفظه الله -: «أبوابنا مفتوحة، وهواتفنا مفتوحة، وآذاننا صاغية».