يوصف المتلقي أحياناً بالغباء أو عدم الفهم، أو تحريف ما يتلقاه إلى معانٍ لم يقصدها المرسل، هذا المرسل قد يكون شخصاً مشهوراً في مجال معين، سياسي أو إعلامي أو اقتصادي أو ثقافي أو رياضي أو في أحد فروع الفنون.

هذا المرسل يمكن أن يكتشف أنه تسرع وأخطأ في خطاب أو تصريح أو رأي مكتوب بعد تلقيه ردود فعل غاضبة قوية وقاسية بحكم أن الرأي أو التعليق الذي طرحه المرسل واضح لجميع المتلقين. ماذا يحصل بعد ذلك؟ يقدم المرسل الاعتذار ويقال له شكراً على اعتذارك وهذه أخلاق الشجعان. ولكن مهلاً.. هل اعترف المرسل بالخطأ؟ ما مضمون الاعتذار؟ في الغالب يعتذر المرسل ليس عن الخطأ ولكن لأن المتلقي فهم المقصود بطريقة خاطئة! هذا يعني أن المرسل لم يعترف بالخطأ، واتهم المتلقي بالغباء أو تحريف المعنى أو .. إلخ. إذا كان الأمر كذلك، وهو فعلاً كذلك فلماذا يعتذر المرسل؟ لماذا لا يتهم المتلقي بالتحريف وسوء الفهم، وقصور الذكاء؟!

عبارة (أسأتم فهمي) نسمعها من (المرسل) في المجالات الثقافية والاجتماعية والدينية والإعلامية والرياضية والسياسية والاقتصادية، وفي الغالب فإن المرسل مهما كان حجم ورطته يعرف أن عبارة (أسأتم فهمي) هي المنقذ!

يقال: إن اعتراف الشخص بالخطأ ينم عن ثقة بالنفس، ومن يفعل ذلك يتعلم من الأخطاء فلا يكررها. ومن المفارقة أن عدم الاعتراف بالخطأ ربما يكون نتيجة ثقة بالنفس مبالغ فيها يطلق عليها صفة (الغرور).

وقد يحدث خطأ (المرسل) تحت تأثير الانفعال. وهذا يحتاج إلى تدريب لاكتساب مهارة السيطرة على الانفعالات وخاصة حالة الغضب التي تتطلب التعامل معها بالحكمة والصمت أحياناً. قرأت لكم هذه القصة القصيرة يرويها ابن عن والده: (ذات مرة في إحدى الرحلات بالقطار، ارتكب والدي مخالفة بسيطة بغير قصد، فتصيد له الخطأ موظف صغير بالسكك الحديدية. كنت صغيراً حينها وأخبرت والدي بحماسة بعدها أنه كان يجب عليه أن يخبر الرجل بما دار في ذهنه. ابتسم والدي وقال: أوه، إذا استطاع الرجل تحمل نفسه طوال حياته، فبالتأكيد أستطيع أنا تحمله لمدة خمس دقائق./ من كتاب، نجاحات عظيمة يومية/ ديفيد كيه هاتش/ مكتبة جرير).

ستطل علينا هنا بعض الأسئلة، هل الحالة التي نتحدث عنها في هذا المقال سببها حدوث الخطأ تحت تأثير الغضب؟

هل يقبل المتلقي تهمة أنه دائماً يسيء الفهم؟ ماذا عن المبدعين في الفنون المختلفة، الرسامين والشعراء والروائيين؟ هل يخرجون عن النص احتراماً لعقل المتلقي وإعطائه مساحة من الحرية لتكوين فهمه الخاص؟

السؤال الأخير يأخذنا إلى موضوع آخر، ويستحق مقالاً مستقلاً. ولكن بشكل عام من المؤكد أننا جميعاً بحاجة إلى التدريب على اكتساب مهارة الصمت.