هناك العديد من الروايات والأعمال التلفزيونية قدمت تخيلاً لفكرة: ماذا لو سارت الأمور بشكل مختلف في انتخابات أميركا 2016؟ مثل هذه الأعمال الفنية الإبداعية تجعل الناس تتخيل الوجه الآخر لما كانت ستؤول إليه الأمور مع اختيار مختلف، وهو أمر يشحذ العقل الواعي ويؤهل اللاوعي. وفي عالمنا اليوم الكثير من الملفات الساخنة التي يجب أن يتناولها إعلامنا بطريقة ماذا لو..؟ وذلك عبر أسئلة يتوجب على الإعلام طرحها، وعلى المجتمع بمختلف طوائفه مناقشتها بجدية مع الخبراء وأصحاب الفكر والتخصص لعرض كل الاحتمالات الممكنة، المفاجأة دائماً هي أسوأ سيناريو.

مثلاً ماذا بعد كورونا؟ فالصحافة والإعلام دورهما ليس مقصوراً على تقديم تقرير متابعة يومي عن مستجدات كورونا، لكن البحث عن إجابات حول مستقبل ما بعد كورونا.. في الفترة الأخيرة طالعت آراء منشورة في الصحف العالمية لكوكبة من المفكرين في شتى المجالات حول هذا الأمر، استوقفني رأي الفيلسوف الفرنسي إدجار موران (مواليد 1921)، الذي قدم عرضاً للواقع وروشتة للمستقبل، فهو يرى أنه يتوجب على البشرية أن تبحث عن مسار جديد تتخلى فيه عن عقيدة النيوليبرالية، على أن يصحح المسار الجديد انعكاسات العولمة على الدول من خلال إنشاء مناطق من شأنها حماية عدد من الاستقلاليات الذاتية الأساسية لكل دولة: الاكتفاء الذاتي من الغذاء، استقلالية الصناعات الصحية... إلخ، فينبغي الرجوع إلى التصنيع المحلي لما هو حيوي، وإعادة التفكير في النزعة الاستهلاكية التي أصبحت إدمانًا.

ويرى إدجار موران أن الحجر الصحي يمكن أن يساعدنا على البدء في تطهير نمط حياتنا من السموم، وفهم أن العيش بشكل جيد يعنى تفتح الـ(أنا) الذاتي داخل جماعات الـ(نحن) المتنوعة، ويحذر موران قائلاً: إذا لم نفهم أننا بحاجة إلى وعي مشترك بمصير الإنسان، وإذا لم نحقق تقدماً في التضامن، وإذا لم نغيّر نمط التفكير، فإن أزمة الإنسانية ستزداد سوءاً، وليس بإمكاننا أن نعرف ما إذا كان ما بعد الإغلاق سيعطي للأفكار المتجددة قيمتها وإمكانية حضورها، أم أن هذا النظام الصحي والثقافي القائم والمتداعي سيستعيد توازنه ويستكمل مسيرته؟

مثل هذا الجدل البنّاء يحفز المجتمع على التفكير في واقعه واستخلاص العبرة، وإدراك أوجه النقص والتقصير لإصلاحها لتفادي الوقوع فيها مستقبلاً.. من سمات الدول المتحضرة المرونة، ومواكبة المتغيرات، ومواجهة التحديات حتى تظل جزءاً من مستقبل الإنسانية وشريكاً في صنع مستقبلها، وهذه الدول تقوم بتعديل سياساتها ومن ثم تشريع قوانين لتضعها حيز التنفيذ، أما المجتمعات المترهلة الكسولة التي تعيش حالة من الرضا الزائف عن الذات، فهي لا تكلف نفسها عبء التفكير في انتقاد واقعها لإصلاحه ولا تنشغل بمصيرها وحجم مشاركتها في المستقبل، ولا تهتم بأسئلة من نوعية ماذا لو.. وماذا بعد.. فهي منشغلة بمفاهيم في الحياة عفّى عليها الزمن، وجاءت جائحة كورونا لتدفنها تحت التراب.. فالبقاء للأصلح والأقوى.